تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 321

مساهمون:

ص٣٢١
مصالح الدولة القاهرة جميل العبارة حسن اللَّسن ، من سمت به نفسه إلى سعادة الآخرة فأتته سعادة الدنيا تابعة ، وسلك في مراضي الدولة القاهرة طريق الإخلاص فغدت لكلّ خير حاوية ولكلّ يمن جامعة ؛ مع كفاءة جاءت المناصب على قدر ، ومعرفة ما لحظت المصالح بأقرب نظر ، إلا نمّت الأموال وبدرت البدر ، وخبرة ما اعتبرت فيها محاسن سيرته في كل ما يباشره إلا صغّر خبرها الخبر ، ونزاهة سلكت به في كل ما يليه أحسن المسالك ، وعفّة رفعته من الرتب الديوانيّة إلى مفارقها ولا رتبة للتّاج إلا ذلك . ولمّا كان فلان هو الذي اجتنى من إحسان الدولة القاهرة بالطاعة أفضل الجنى ، وفاز من عوارفها العميمة بجميل المخالصة ما زاد على المنى ، وانتمى من أدوات نفسه إلى كمال المعرفة والعفّة وهما أفخر ما يدّخر للرّتب الجليلة وأنفس ما يقتنى ، وعني من أسباب استحقاقه المناصب بما اقتضى إحسان الدولة القاهرة أن يحتفل بتقديمه وأن يعتنى . فلذلك رسم أن يفوّض إليه نظر الدواوين المعمورة : فليباشر ذلك محلَّيا هذه الرتبة بعقود تصرّفه الجميل ، ومجلَّيا في هذه الحلبة بسبق معرفته الذي لا يحتاج إلى دليل ، ومبيّنا من نتائج قلمه ما يبرهن على أنه موضع الاختيار ، ومن كوامن اطَّلاعه ما لا يحتاج إلى برهان إلا إذا احتاج إليه النّهار ، فلا يزال فرع يراعه في روض المصالح مثمرا ، وليل نقسه في ليل الأعمال مقمرا ، وحسن نظره إلى ما قرب ونأى من المصالح محدقا ، ولسان قلمه لما دقّ من أمور الأقاليم محقّقا ، ورسم خطَّه لما يستقرّ في الدواوين المعمورة مثبتا ، ووسم تحريره لما يجتنى من غروس المصالح منبتا ، ولدرّ أخلاف الأعمال ، بحسن الاطَّلاع محتلبا ، ولوجوه الأموال ، بإنفاق التوجه إلى تثميرها إن أقبلت مجتليا وإن أعرضت مختلبا ؛ فإنّ الأمور معادن يستثيرها التصرف الجميل ، ومنابت ينمّيها النظر الجليّ والإتقان الجليل . وملاك كلّ أمر تقوى اللَّه تعالى فليجعلها إمامه ، ويتخيّلها في كلّ حال أمامه ؛ واللَّه تعالى يوفّقه بمنه وكرمه ! .