وصباح القبول المؤذن له برضا ربه ، وليجعل سوره له أسوارا ، وآياته تظهر بين عينيه أنوارا ، وليتل القرآن بحروفه وإذا قرأ استعاذ ، وليجمع طرقه وهي التي عليها الجمهور ويترك الشّواذّ ، ولا يرتدّ دون غاية لإقصار ، ولا يقف فبعد أن أتمّ لم يبق بحمد اللَّه إحصار ، وليتوسّع في مذاهبه ولا يخرج عن قراءة القرّاء السبعة ( 1 ) أئمة الأمصار ، وليبذل للطَّلبة الرّغاب ، وليشبع فإنّ ذوي النّهمة سغاب ، ولير الناس ما وهبه اللَّه من الاقتدار فإنه احتضن السّبع ( 2 ) ودخل الغاب ؛ وليتمّ مباني ما أتم « ابن عامر » و « أبو عمرو » له التعمير ، ولفّه « الكسائيّ » في كسائه ولم يقل جدّي « ابن كثير » ؛ وحمّ به « لحمزة » أن يعود ذاهب الزمان ، وعلم أنه لا « عاصم » من أمر اللَّه يلجأ معه إليه وهو الطَّوفان ، وطفق يتفجّر علما وقد وقفت السّيول الدّوافع ، وضر أكثر قرّاء الزمان لعدم تفهيمهم وهو « نافع » ؛ وليقبل على ذوي الإقبال على الطَّلب ، وليأخذهم بالتربية فما منهم إلا من هو إليه قد انتسب ؛ وهو يعلم ما منّ اللَّه عليه بحفظ كتابه العزيز من النّعماء ، ووصل سببه منه بحبل اللَّه الممتدّ من الأرض إلى السماء ؛ فليقدر حقّ هذه النعمة بحسن إقباله على التعليم ، والإنصاف إذا سئل فعلم اللَّه ما يتناهى * ( وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ) * ( 3 )
هامش
( 1 ) القراء السبعة الذين اشتهرت قراءاتهم في العالم الإسلامي وأقبل الناس عليها هم : في مكة ، عبد اللَّه بن كثير الداريّ المتوفى سنة 120 ه ، وفي المدينة ، نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم المتوفى سنة 169 ه ، وفي الشام ، عبد اللَّه اليحصبي المشهور بابن عامر المتوفى سنة 118 ه ، وفي البصرة كل من أبي عمرو بن العلاء المتوفى سنة 154 ه ويعقوب بن إسحاق الحضرمي المتوفى سنة 205 ه ، وفي الكوفة كل من حمزة بن حبيب الزيات مولى عكرمة بن ربيع التيمي المتوفى سنة 188 ه وعاصم الأسدي المتوفى سنة 187 ه . ( ترجمتهم تجدها في طبقات القراء لابن الجزري . انظر أيضا : قضايا لغوية في ضوء القراءات القرآنية للشيخ صبحي الصالح وتفسير الطبري : 1 / 21 - 58 ) .
( 2 ) المراد بالسّبع : السّبع المثاني التي هي فاتحة الكتاب وقد سمي القرآن الكريم جميعه بالسّبع . وفي التنزيل العزيز : ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي والْقُرْآنَ الْعَظِيمَ . ( انظر تفسير الطبري : 1 / 110 ولسان العرب : 8 / 145 ) .
( 3 ) يوسف / 76 .