تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 238

مساهمون:

ص٢٣٨
وتتوارد على ثبوت محامده المتواردة قواطع الدلائل ، وتحقّق شواهد الحال من فضله ما يتلمّح فيه من لوائح المخايل . نحمده على نعمه التي ما استهلَّت على وليّ فأقلع عنه غمامها ، ولا استقرّت بيد صفيّ فانتزعت من يده حيث تصرّف زمامها ، ونشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له شهادة تزهر بمعالم الدّين غروسها ، وتينع بثمار الفوائد المتتابعة دروسها ، وأن سيدنا محمدا عبده ورسوله أشرف الأنبياء قدرا ، وأوّلهم في علوّ المرتبة مكانا وإن كان آخرهم في الوجود عصرا ؛ صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه الحائزين بقربه أفخر المناقب ، والفائزين من درجة الفضل بأرفع المراتب ، صلاة تكون لحلق الذّكر نظاما ، ولأوّلها افتتاحا ولآخرها ختاما ، وسلَّم تسليما كثيرا . وبعد ، فإنّ من شيمنا الشريفة ، وسجايانا الزاكية المنيفة ، أنّا إذا منحنا منحا لا نستعيده ، وإذا أعطينا عطاء لا ننقصه بل نزيده ، وإذا قرّبنا وليّا لا نقصيه ، وإذا أنعمنا على صفيّ إنعاما لا نعدّه عليه ولا نحصيه . ولمّا كان تدريس المدرسة المالكية بقبّة الصالح من أعلى دروسهم قدرا ، وأرفعها لدى التحقيق ذكرا ، وأعظمها إذا ذكرت الدروس فخرا ؛ إذ بمجال جداله تنفطر المرائر ، وبميدان مباحثه تشتهر البلق من مضمرات الضمائر ، وبسوق مناظرته يتميز النّضار عن الشّبه ، وبمحكّ مطارحته تتبيّن الحقائق من الشّبه ، وبمظانّ مجلسه يعرف العالي والسافل ، وبمعركة فرسانه يعرف من المفضول والفاضل ؛ ومن ثمّ لا يليه من علمائهم إلا الفحول ، ولا يتصدّى لتدريسه إلا من أمسى بحسام لسانه على الأقران يصول ؛ ولم يزل في جملة الوظائف المضافة لقضاء القضاة في الأوّل والآخر ، تابعا لمنصب الحكم في الولاية كلّ زمن إلا في القليل النادر ؛ وكان المجلس العاليّ ، القاضويّ ، الكبيريّ ( إلى آخر ألقابه ) أدام اللَّه تعالى نعمته قد اشتملت ولايته عليه لابتداء الأمر استحقاقا ، وحفظه كرمنا عليه فلم يجد الغير إليه استطراقا - اقتضى حسن الرأي