تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 221

مساهمون:

ص٢٢١
ويحلّ هذه العقيلة التي لا تزان بسوى العلم والعمل أجيادها ، ويرق هذه الهضبة التي يطول إلَّا على مثله صعودها ، ويلق تلك العصبة التي تجتمع للأولياء به حشودها . وهو يعلم أنّه في موقف الإبلاغ عن اللَّه لعباده ، والإعلام بما أعدّ اللَّه في دار كرامته لمن جاهد في اللَّه حقّ جهاده ، والإنذار لمن قصّر في إعداد الأهبة ليوم معاده ؛ وهو بمحضر من حماة الإسلام ، ومشهد ممن قلَّدناه أمر أمّة سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام ؛ فليقصر خطبه على طاعة للَّه يحضّ عليها ، وعزمة في سبيل اللَّه يشوّق إليها ، ومعدلة يصف ما أعدّ اللَّه لولاة أمر قدّمتها بين يديها ، وتوبة يبعث الهمم ، على تعجيلها ، وأوقات مكرمة ينبّه الأمم ، على احترامها بتقوى اللَّه وتبجيلها ، ودنيا ينذر من خداعها ، ويبيّن للمغترّ بها ما عرف من خلائقها المذمومة وألف من طباعها ، وأخرى يوضّح للمعرض عنها وشك قدومها ، ويحذّر المقصّر في طلابها من عذابها ويبشّر المشمّر لها بنعيمها . وليعلم أنّ الموعظة إذا خرجت من الألسنة لم تعد الأسماع ، ولم يحصل منها على غير تعقّل القرائن والأسجاع ؛ وإذا خرجت من القلوب وقعت في مثلها ، وأثمرت في الحال بالمحافظة على فرض الطاعة ونفلها ، وسكَّنت في السرائر طباع طاعة تأبى على محاول نقلها ، وقدحت في البصائر من أنواع المعرفة ما لم يعهد من قبلها . وليجعل خطبه في كل وقت مناسبة لأحوال مستمعيها ، متناسبة في وضوح المقاصد بين إدراك من يعي غوامض الكلام ومن لا يعيها ؛ فخير الكلام ما قلّ ودلّ ؛ وإذا كان قصر خطبة الرجل وطول صلاته منبئين عن فقهه فما قصّر من حافظ على ذلك ولا أخلّ ؛ وليوشّح خطبه من الدعاء لنا وللمسلمين بما يرجى أن يوافق ساعة الإجابة ، وإذا توخّى الغرض بدعائه لعموم الأمة فقد تعيّنت - إن شاء اللَّه - الإصابة ؛ وهذه الوصايا على سبيل الذّكرى التي تنفع المؤمنين وترفع المحسنين ، واللَّه تعالى يجعله - وقد فعل - من أوليائه المتقين ، بمنّه وكرمه ، إن شاء اللَّه تعالى . وهذه وصية خطيب أوردها في « التعريف » :