تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 461

مساهمون:

ص٤٦١
من محاسنه يكسبها نضرة وبهاء ، وتتصدّى من نظره فيها لما يضمن لها إدراكا للإرادة وبلوغا إليها وانتهاء . ولما كنت أيّها القاضي حائزا لهذه الصفات ، محيطا بما اشتملت عليه من الأدوات ، سالكا أعدل طريق في الأمور إذا أشكلت ، عاملا بقضايا الواجب إذا اعتمدت الإقبال عليك واتّكلت ؛ ولك الخدمة السنية ، التي لا تطمح إليها كل أمنيّة ، والرتب الرفيعة التي لا ينالها إلَّا من كان عمله موافقا لصادق النيّة ؛ وكلّ ما تباشره يغتبط بك ويأسى على فراقك ، وكلّ ما حظر على غيرك مباح لك لاستيجابك له واستحقاقك ؛ فمن العدل أن تكون كفايتك على الأعمال مقسّمة ، وأن تكون آثارك في كل ما تعانيه من أمور المملكة علامة لك عليها وسمة ؛ وكانت الخدمة في الحكم بالغربية من التصرفات الوافية المقدار ، السامية الأخطار ، التي لا يسمو كلّ آمل إليها ، ولا يحدث كل أحد نفسه بتولَّيها ؛ وقد اشتهرت خبرتك بالأحكام ، وحفظك فيها للنّظام ، وبتّك للقصص المشكلة ، ورفعك للنّوب المعضلة - فرأينا استخدامك نائبا عن القاضي الأعزّ الماجد في الصّلاة والخطابة والقضاء بالأعمال الغربية المقدّم ذكرها : إذ كنت تعدل في أحكامك ، ولا تخرج عن قضايا الصواب في نقضك وإبرامك ، ولا تحابي في الحق ذا منزلة ، ولا تنفكّ معتمدا ما يقضي لك بالميزة المتأكَّدة والرتبة المتأثّلة ، وأمرنا بكتب هذا المسطور شدّا لأزرك ، وتشييدا لأمرك ، وإيراء ( 1 ) لزندك وتقوية لعزمك ، وضمّنّاه ما تقدّم ذكره من وصفك وشكرك ، وتقريظك وإجمال ذكرك ، والثناء على علمك ، والأبانة عن قضيّتك في قضائك وحكمك ؛ فاعمل بما اشتمل عليه التقليد المكتتب لك من مجلس الحكم العزيز وانته إلى ما أودع من فصوله ، وكن عاملا بمضمونه متّبعا لدليله ؛ واللَّه يوفّقك ويرشدك ، ويعينك ويسدّدك ؛ فاعلم هذا واعمل به ، إن شاء اللَّه عز وجل .
هامش
( 1 ) من أورى الزند : أخرج ناره . والزّند هو العود الأعلى الذي تقدح به النار ، والأسفل هو الزندة .