تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 438

مساهمون:

ص٤٣٨
اللَّه لمن كان بعين قلبه مشاهدا ، وبه تتبيّن مواقع التحليل والتحريم ، وفيه تتعيّن مقاطع الحكم بالتحكيم ، ولمجالسه الوقار فهي جنّة لا لغو فيها ولا تأثيم ، والظالم فيه وإن ظفر فإنما ظفر بما يقطع له من نار الجحيم . ولا تجعل بين المتحاكمين إليك من فرق ، وساو في الحكم بين كافّة الخلق ، ولا تحكم بحجّة أحد الخصمين وإن كان لها السّبق : * ( فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ الله ولا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ) * ( 1 ) ، ولا تقطع بعلمك وإن كنت عليما ، ولا تبال في اللَّه أن تغضب ظالما وترضي مظلوما ، واجعل لنفسك من نظرك وإصغائك بين المترافعين إليك مقسوما ، فلا تحقر خطأ الحكم وتجنب منه بينهما ما تجده [ عند ] ( 2 ) اللَّه عظيما ، واحكم بينهم بما أنزل اللَّه ولا تكن للخائنين خصيما ( 3 ) وتجلبب بالوقار الذي يبيّن فضل الملَّة ، ويشهد للكفر بالذّلَّة ، ويلبسك فخر السّراة ( 4 ) الجلَّة ، ولا يمنعك مذموم التكبّر ، عن محمود التدبّر ، ولا جبر لكسر التجبّر ، ولا خير فيمن لا يمهل رويّة التحير ، فالعجلة تضيّق ميدان التخيّر ؛ وإذا أوضح الملتبس لفهمك ، وعزّ القطع بفصل حكمك ، فأفهم الظالم ما توجّه عليه لخصمه ، فربّما أوتي من سوء فهمه لا من طريق ظلمه ، ولعله لا يجمع عليه بين فوت مراده وبقاء إثمه ، وذاكر المقدمين على اليمين ، بما على من يمين ( 5 ) ، وأن كاذبها يدع الديار بلاقع ( 6 ) ، وأن خرق الجرأة على اللَّه ما له من راقع ، وصرعة الفاجر ما لها من مزيل ولا رافع ؛ ومن قطعه الحصر عن الإفصاح ، وصرفه العيّ عن الإيضاح ، فاستعمل معه أناة توضّح ما يختلج في صدره ، ورفقا يفصح ما يختلج في فكره ، فإنّ رسول
هامش
( 1 ) المائدة / 48 . ( 2 ) الزيادة من الطبعة الأميرية ، وهي ضرورية لانتظام السياق . ( 3 ) من سورة النساء ، الآية : 105 . يقول الطبري « أي لا تكن لمن خان مسلما أو معاهدا في نفسه أو ماله خصيما ، أي تخاصم عنه وتدفع عنه من طالبه بحقه الذي خانه فيه » ( انظر تفسير الطبري : 9 / 176 ) . ( 4 ) السّراة : اسم جمع للسّريّ ، وهو ذو المروءة والشرف . ( 5 ) أي يكذب . ( 6 ) البلقع : الخالي من كل شيء .
صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 438 | أحمد بن علي القلقشندي / محمد حسين شمس الدين