باستغفارك ، وتمّ عنوان السّجود بأسرارك ، وابيضّت شية ( 1 ) الليل بحلى آثارك ، واكتنفتك الطَّهارة حتّى كأنّك مصحف ، وأرهفتك الديانة حتّى كأنك مرهف ، وحالفتك الرّكانة ( 2 ) وكأنك مع سلامة الخلق أحنف ( 3 ) ، وثقّفتك السّنّ فأبقت منك ما أبقت من سنان المثقّف ، وعرفتك الأحكام بأنك ماض على الحقائق عند الشّبه تتوقّف ، وألفتك النزاهة فشهد عدول أن نكرة المطامع عندك لا تتعرّف ، وصرفتك النزاهة عن دنيا إن كانت عرائسها تزفّ فغدا مواردها تنزف ، واستشرفتك المنازل التي لا تزال بأعناق الأشراف تستشرف ؛ وما رأست ، حتى درست ، ولا تنبّهت ، حتى تفقّهت ، ولا أقنيت حتى أفنيت المحابر ، ولا تصدّرت حتّى تصبّرت على كلف تغلب الصابر ؛ فما حاباك من حباك ، ولا قدّمك حتّى علم أن سواك ما ساواك ؛ فرياستك لم تكن فلتة ، واستشراف وجه الرياسة لك لم يكن لفتة ، بل تنقّلت متدرّجا ، وأثنى عليك لسان حقيقة ما كان متلجلجا ؛ ولو أقعدك حسبك أو أباك ( 4 ) ، لقبلك المجد وما أباك ؛ فكيف ولك نفس بنت لك الشرف الخالد ، وجمعت الطريف منه إلى التالد ، ولم تقنع بما ورثت من تراث رياسة الوالد .
والسيد الأجلّ الذي أعاد إلى الدولة رونق نضارتها ، بعد رونق إضارتها ، وأفاضت عليه حيا إشارتها ، وأضافت إليه نصّ إشارتها ، وأعطته السعادة أفضل إمارتها ، بما أعطته من فضل وزارتها ، واشتملت معاني النّجاح من صفحة بشره التي عجّلناك الآمال ببشارتها ، وأقرّت حركاته الخلافة في دارها والأنوار في دارتها ، وقصّرت مهابته أيدي الأعداء بعد استطالتها ، وأخمدت نارهم بعد استطارتها ،
هامش
( 1 ) الشية هنا بمعنى اللون .
( 2 ) الركانة : الرزانة .
( 3 ) حنف الرجل حنفا : اعوجّت قدمه إلى الداخل . ويقال : حنفت رجله فهو أحنف .
( 4 ) الأبالغة في الأب . قال في اللسان : وفّرت حروفه ولم تحذف لامه كما حذفت في الأب . يقال : هذا أبا ورأيت أبا ومررت بأبا ، كما تقول : هذا قفا ورأيت قفا ومررت بقفا . ( اللسان : 14 / 7 ) .