تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 435

مساهمون:

ص٤٣٥
كف الباطل الغروب ، وأشرقها شمسا لا تتوارى بحجاب الغروب ، وأقواها سلَّة في تنفيذ حكم حقّ إذا ضعف الطالب والمطلوب ، وأنقاها صحيفة بما أودعها من نور العمل المكتوب ، وأبداها زهدا في دنياه إذا أنموا بوعدها الكاذب أمل إيتائها المكذوب ، وأدومها مصاحبة لشكر لا يستقلّ به رفيقها المصحوب ، وأقومها طريقة في الحسنات فما طريقه إلى الحوب بملحوب ( 1 ) ، وأقواها طمأنينة قلب إلى ذكر الذي تطمئنّ به القلوب ، وأنهضها عزما بما أعيا الهمم من تكاليف الطاعة وآد ( 2 ) بسمع وبصر وفؤاد ، وأقدرها على مجاهدة الشهوات أشدّ الجهاد وأنظرها لنفسه في تحصيل عمل يشهد له يوم قيام الأشهاد ، وأمهدها لجنبه وذخائر التقوى نعم المهاد . وإلى اليقين ( 3 ) الذي ظهرت شواهده ، والعمل الذي جمعت إليك شوارده ، والدّين الذي صفت إليك موارده ، والعلم الذي هبّت بمذاكرتك رواكده ، والفهم الذي تظاهرت بمناظرتك مراشده ، والنظر الذي ألقى فرسان الجدال بالجدالة ( 4 ) ، والأثر الذي يقضى به عليك بالعدالة ، والمحاماة عن الحقّ بما يقضي لمخالفه بالإذالة ولمؤاليه بالإدالة ، والإرشاد الذي ما بدا لفهم الشاكّ إلا بدا له ، والفتيا التي ضربت ثبج الباطل بسيوفها ، وحلَّت مسامع المستفيدين بشنوفها ، والجلالة التي لا يملّ مسموع أوصافها ، والعدالة التي لا يملّ ( 5 ) مشروع إنصافها ؛ وكم ليلة أغمدت ظلامها في نور التهجّد والناس هجود ، وسكَّنت جفون مناقبها بيقظات السّجود ، وأنشأت الخشية غمامها فاطفأت بماء الدمع النار ذات الوقود ، وبلغت رياضة الجوارح التي تريد ورياض القلب التي ترود ، فأسفر الصبح منك عن سار واقف ، واستسرّ لك القبول عن أنس خائف ، وتأرّجت أنفاس الأسحار
هامش
( 1 ) الحوب : الإثم . والتحب الطريق : وطئه وسلكه . والطريق الملحوب أي المسلوك . ( 2 ) آد أيدا : قوي واشتدّ . ( 3 ) المراد : وكل ذلك مضاف إلى اليقين الذي الخ . ( 4 ) الجدالة : الأرض . ( 5 ) كذا في الأصول ؛ وفي الطبعة الأميرية مع علامة توقف . ولعلها مصحفة عن « يميل » .