تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 440

مساهمون:

ص٤٤٠
الآثام فيما حلَّل وحرّم ، وإلى علمهم انتهت مقاطع الحقوق التي اللَّه بها أعلم ؛ وما سرى حكم إلا بعد أن تجد أقواله دليلا ، ولك السمع ولهم البصر وكلّ أولئك كان عنه مسؤولا ؛ واستشفّ أمورهم فمن ألفيته آلفا لمحجّة الصواب ، عائفا لمضلَّة الارتياب ، لا يحاف بالإغضاب ، ولا يخاف بالإرهاب ، ولا يحسب حسابا إلا ليوم الحساب ، فاسمع مقالته ، وأقرّ عدالته ، ومن كان عن السبيل ناكبا ، وللهوى راكبا ، فأرجله عن ظهر العدالة ، وتتبّع زلله بالإزالة ، وواصل فيهم ألسنة حكمك ، وأوجه علمك ، فلا تستنب إلا من تعلم أن خطأه عليك وصوابه لك ، ولا تعوّل إلَّا على من لا يخجل نفسك ولا يذمّ تعويلك . وكاتبك فقلمه لسانك ، ولسانه ترجمانك ، إن وقّع فإليك تنسب مواقع توقيعه ، وإن وصل حكما بمسطوره فمقدارك مسطور من مسموعه ؛ فلا ترض بالدّون فيما يدوّن ، ولا تعوّل إلا على كل من تصوّر وتصوّن . وحاجبك فهو عينك وإن سمّي حاجبا ، ووجهك الذي تلقى به إذا كنت غائبا ؛ فاختر من يكون متخيّرا في المقال ، متحلَّيا بحسن الفعال ، مجرّبا في جميع الأحوال ، لا يلتفت إلى دنيا دينه ، ولا يخونك أمانته ولا تمتدّ يمينه ، ولا يقول عنك ولا عن نفسه إلا ما يزينك ويزينه ، ولا يخفّ إلى ما تخفّ به موازينه . والخطباء فرسان المنابر ، وألسنة المحاضر ، وتراجم الشعائر ، وأئمة المجامع ، وسفراء القلوب بوساطة المسامع لمقامها الرافع ، ومبرّها الفارع من القلوب على دائها ، وتدحر حربه شياطين الأمم عند اعتدائها ، ويعرب عن الهداية ويبالغ بلاغته في إهدائها ، ويتقن مخارج الحروف محسنا في أدائها وإبدائها ، وتحلّ موعظته عن العيون الجامدة عقد وكائها ( 1 ) ، وينادي القلوب الصّدية فيكون صداه صوب بكائها ، ويستشعر أردية الوقار فتشهد المنابر له بارتدائها ، وتغذي النفوس مواعظة إذا قصدته باستنصارها على القلوب واستعدائها .
هامش
( 1 ) الوكاء : هو ما يشدّ به الكيس وغيره . ( انظر اللسان : 1 / 200 ) .