تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 385

مساهمون:

ص٣٨٥
إن عددتم لصنائع اللَّه صنيعة ، وأباحتكم من اصطفائها كلّ درجة على تعاطي الأطماع عليّة منيعة ، وقدّمتكم جيش برّها وبحرها ، وكان منكم سيف جهادها ونجم ليلها وفارس كرّها ، وصالت بكم على أعدائها كلّ مصال ، وأغربت من يليها إلا إذا استقرّت في داركم إلى مصّال ؛ وحين خرجت منها خائفا تترقّب ، وأبقيت فيها حائفا يتعقّب ، كنت الذهب المشهور ، الذي ما بهرجه الرّغام ( 1 ) ، والحرف المجهور ، الذي ما أدرجه الإدغام ، وكنت وإن كنت بين الكفّار ، عنهم شديد النّفار ، وحللت فيهم محلّ مؤمن آل فرعون يدعوهم إلى النجاة وإن دعوه إلى النار ، وعدت إلى باب أمير المؤمنين عود الغائب إلى رحله ، والآئب إلى أهله ، واستقررت به استقرار الجوهر في فصله ، والفرع في أصله ، وأبان الاستشفاف عن جوهرك الشّفّاف ، وخرجت من تلك الهفوات خروج الرياح لا خروج الكفاف ، وأعربت السعادة إذ حيّتك بمشيب أسود ، وتبع الأماجد غبارك الذي يرفع من طريق السّودد ، واعتلقت بعروة الجدّ ، فلست من دد ولا منك دد ( 2 ) ، وضبّرت ( 3 ) قلب العيش الأصفى بعد العيش الأنكد ؛ لا جرم أن أمير المؤمنين أنساك سيئة أمسك بحسنة يومك ، وسما بك إلى أعلى رتب الأولياء وأغناك عن تعرّض سومك ، وأنعم بك على قوم ما عرفوا إلا رياسة قومك . وحضر بحضرة أمير المؤمنين أمين مملكته ، ويمين فتكته - السيد الأجل الذي أتى اللَّه به سهما إلى مصر وهي كنانته ؛ وأفرده بمزيّة السبق فلا حظَّ لمساجله إلا أن تدمى بنانته ، ورعى الرعيّة منه ناظر لا تلمّ بناظره مراود الهجود ، وقام بالملك منه قائم لا يزال يورده موارد الجود ، وأغنته يد الغلاب عن لسان الجلاب ، ونال نادرة الأمل في نادرة الطَّلاب ، وجمّت فتكاته من الهرمين إلى الحرمين ، وصرّف الرّمح تصريف القلم وكأنه يصول ويصلّ بقلمين ، وردّ اللَّه به العدوّ منخذلا ، وطالما لقيه فأقام منجدلا ، وأضحى به ذيل النعمة منسحبا وستر الأمنة منسدلا ، ودبّر الأمور
هامش
( 1 ) بهرج الشيء : أباحه . والرغام : التراب . ( 2 ) الدّد والددا : اللهو واللعب . والمراد : لست من أهل اللهو واللعب . ( 3 ) ضبّر الشيء : جمعه .