تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤
والوصايا والإقرارات : فإنها ودائع الرعيّة عنده ، وواجب أن يحرسها جهده ، وأن يكلها إلى الخزّان المأمونين ، والحفظة المتيقّظين ، ويوعز إليهم بأن لا يخرجوا شيئا منها عن موضعه ولا يضيفوا إليها ما لم يكن بعلمه ، وأن يتّخذ لها بيتا يحصرها به ، ويجعله بحيث يأمن عليه : ليرجع متى احتاج الرجوع إليه ؛ فقد قال اللَّه تعالى : * ( والَّذِينَ هُمْ لأَماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ ) * * ( 1 ) . وأمره إن ورد عليه أمر يعييه فصله ، ويشتبه عليه وجه الحكم فيه ، أن يردّه إلى كتاب اللَّه ، ويطلب به سبيل المخلص منه ، فإن وجده وإلا ففي الأثر عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، فإن أدركه وإلا استفتى فيه من يليه من ذوي الفقه والفهم ، والهداية والعلم ؛ فما زالت الأئمة والحكَّام من السّلف الصالح ، وطرّاق السّنن الواضح ، يستفتي واحد منهم واحدا ، ويسترشد بعض بعضا ، لزوما للاجتهاد ، وطلبا للصواب ، وتحرّزا من الغلط ، وتوقّيا من العثار ؛ قال اللَّه تعالى : * ( فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوه إِلَى الله والرَّسُولِ ) * ( 2 ) . وأمره أن لا ينقض حكما حكم به من كان قبله ولا يفسخه ، وأن يعمل عليه ولا يعدل عنه ، ما كان داخلا في إجماع المسلمين ، وسائغا في أوضاع الدّين ؛ فإن خرج عن الإجماع ، أوضح الحال فيه لمن بحضرته من الفقهاء والعلماء حتّى يصيروا مثله في إنكاره ، ويجتمعوا معه على إيجاب ردّه ، ثم ينقضه حينئذ نقضا يشيع ويذيع ، ويعود به الأمر إلى واجبه ، ويستقرّ معه الحقّ في نصابه ؛ قال اللَّه تعالى : * ( ومَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ الله فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ) * ( 3 ) . هذا عهد أمير المؤمنين إليك ، وحجّته عليك ؛ قد شرح به صدرك ، وأوضح به سبلك وأقام أعلام الهداية لك ، ولم يألك تبصيرا وتذكيرا ، ولم يدّخرك تعريفا
هامش
( 1 ) المؤمنون / 8 . ( 2 ) النساء / 59 . ( 3 ) المائدة / 47 .