تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 288

مساهمون:

ص٢٨٨
كالشجر الذي يغرس لدنا فيصير عظيما ، والنبات الذي ينجم رطبا فيصير هشيما ؛ فالمصيب من تخيّر الغرس من حيث استنجب الشجر ، واستحلى الثّمر ، وتعمّد بالعرف من طاب منه الخبر ، وحسن منه الأثر ؛ وأمير المؤمنين يسأل اللَّه تعالى تسديدا تحمد عائدته ، وتدرّ عليه مادّته ، ويتولَّاه في العزائم التي يعزمها ، والأمور التي يبرمها ، والعقود التي يعقدها ، والأغراض التي يعتمدها ؛ وما توفيق أمير المؤمنين إلَّا باللَّه عليه يتوكَّل وإليه ينيب . أمره باعتماد التّقوى ، فإنّها شعار أهل الهدى ، وأن يراقب اللَّه مراقبة المتحرّز من وعيده ، والمتنجّز لمواعيده ، ويطهّر قلبه من موبقات الوساوس ، ويهذّبه من مرديات الهواجس ، ويأخذ نفسه بمآخذ أهل الدّين ، ويكلَّفها كلف الأبرار المؤمنين ، ويمنعها من أباطيل الهوى ، وأضاليل المنى ؛ فإنها أمّارة بالسّوء ، صبّة ( 1 ) إلى الغيّ ، صادّة عن الخير ، صادفة عن الرّشد ، لا ترجع عن مضارّها إلَّا بالشّكائم ، ولا تنقاد إلى منافعها إلا بالخزائم ؛ فمن كبحها وثناها نجّاها ، ومن أطلقها وأمرجها ( 2 ) أرداها . وأولى من جعل تقوى اللَّه دأبه وديدنه ، والخيفة منه منهاجه وسننه ، من ارتدى رداء الحكَّام ، وأمر ونهى في الأحكام ، وتصدّى لكفّ الظالم ، وردّ المظالم ، وإيجاب الحدود ودرئها ، وتحليل الفروج وحظرها ، وأخذ الحقوق وإعطائها ، وتنفيذ القضايا وإمضائها : إذ ليس له أن يأمر ولا يأتمر ، ويزجر ولا يزدجر ، ويأتي مثل ما ينهى عنه ، وينهى عمّا يأتي مثله ، بل هو محقوق بأن يصلح ما بين جنبيه ، قبل أن يصلح ما ردّ أمره إليه ، وأن يهذّب من نيّته ، ما يحاول أن يهذّب من رعيّته ، قال اللَّه تعالى : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله حَقَّ تُقاتِه ولا تَمُوتُنَّ إِلَّا وأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) * ( 3 ) : * ( فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ ) *
هامش
( 1 ) أي ذات صبوة وميل إلى الخ . ( 2 ) في الأصل : « أهرجها » بالهاء . وقد اخترنا لفظ الطبعة الأميرية . وأمرج الدابة : تركها تذهب حيث شاءت . ( انظر اللسان : 2 / 364 ) . ( 3 ) آل عمران / 102 .