يعضّد آراء أمير المؤمنين بالصواب ، ويمدّه بالتوفيق في سائر الآراب ، ويقود لمراده أزمّة جوامحها الصّعاب ، ما أنجم سحاب ، وأثجم رباب ( 1 ) ، بمنّه وسعة فضله .
وهذه نسخة عهد بولاية القضاء بسرّ من رأى ( 2 ) ، كتب بها أبو إسحاق الصابي ، عن الطائع للَّه ، للقاضي أبي الحسين محمد ابن قاضي القضاة أبي محمد عبيد اللَّه ، بن أحمد بن معروف ، حين ولَّاه القضاء بسرّ من رأى وغيرها ، وما أضيف إلى ذلك من أعمال الجزيرة ، وهي :
هذا ما عهد عبد اللَّه عبد الكريم ، الإمام الطائع للَّه أمير المؤمنين ، إلى محمد ابن قاضي القضاة عبيد اللَّه بن أحمد ، حين عرفت الفضيلة فيه ، وتقيّل ( 3 ) مذاهب أبيه ، ونشأ من حصنه في المنشإ الأمين ، وتبوّأ من سببه ونسبه المتبوّأ المصون ، ووجده أمير المؤمنين مستحقّا لأن يوسم بالصّنيعة ، والمنزلة الرّفيعة ، على الحداثة من سنّه ، والغضاضة من عوده ، ساميا به في ذلك إلى مراتب أعيان الرّجال ، التي لا تدرك إلَّا مع الكمال والاكتهال : لما آنس من رشده ونجابته ، واستوضح من عقله ولبابته ، واسترجح من وقاره وحلمه ، واستغزر من درايته وعلمه ، وللَّذي عليه شيخه قاضي القضاة عبيد اللَّه بن أحمد من حصافة الدّين ، وخلوص اليقين ، والتقدّم على المتحلَّين بحليته ، والمنتحلين لصناعته ، والاستبداد عليهم بالعلم الجمّ ، والمعنى الفخم ، والافتنان في المساعي الصالحة التي يسود أحدهم بأحدها ، ويستحقّ التّجاوز لهم من استوعبها بأسرها ، وبالثّقة والأمانة ، والعفّة والنّزاهة ، التي صار بها علما فردا ، وواحدا فذّا ، حتّى تكلَّفها من
هامش
( 1 ) أثجمت السماء : أسرع مطرها ودام . والرباب : السحاب الأبيض ، واحدته ربابة .
( 2 ) سرّ من رأى : لغة في سامراء : مدينة تقع على الضفة اليسرى من دجلة ، تبعد عن بغداد حوالي 100 كلم ( انظر معجم البلدان : 3 / 173 والموسوعة العربية الميسرة : 948 ) .
( 3 ) تقيّل أباه : نزع إليه في الشبه .