تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 280

مساهمون:

ص٢٨٠
مستخدما في ذلك سرّه وجهره ، وواصلا بعوان دأبه فيه بكره ؛ فمن علمه سليما في فعله ، غير ظنين في أصله ، متحرّيا في كسبه ، مرضيّا في مذهبه ، حافظا لكتاب اللَّه سبحانه ، متمسّكا من علم الشريعة بما يلوي عن مهاوي الخطأ عنانه ، حاليا بالدّيانة المنيرة المطالع ، حاميا نفسه عن الإسفاف إلى دنايا المطامع ، حاويا من الظَّلف والأمانة ، والقدر والصيانة ، والاحتراس والتحفّظ ، والتحرّز والتيقّظ ، ما تميّز به على أشكاله وأترابه ، وطال مناكب أمثاله وأضرابه ، فقد كملت صفاته ، واقتضت تقديمه أدواته ، ووجب أن يمضي كونه عدلا ، ويجعله لقبول الشهادة أهلا ؛ ومن رآه عن هذه الخلال مقصّرا ، وببعضها مستظهرا ، وكان موسوما بديانة مشكورة ، ونزاهة مأثورة ، رضي بذلك منه قانعا ، وحكم بقوله سامعا . ومن كان عن هذين الفريقين نائيا ، ولأحوالهم المبيّن ذكرها نافيا ، ألغى قوله مطَّرحا ، وردّ شهادته مصرّحا ؛ فإنّ هؤلاء الشهود أعوان الحق على انتصاره ، وحرب الباطل على تتبيره وبواره ، ومحجّة الحاكم إلى قضائه ، ووزره ( 1 ) الذي يستند إليه في سائر أنحائه ؛ فإذا أعذر في ارتيادهم ، واستفرغ وسعه في انتقادهم ، فقد خرج من عهدة الاجتهاد ، واستحقّ من اللَّه جزاء المجتهد يوم التّناد ، ومتى غرّر في ذلك توجّهت اللائمة عليه ، وكان قمنا ( 2 ) بنسبة التقصير في الاحتياط إليه ؛ واللَّه يتولَّى السرائر ، ويبلو خفيّات الضمائر ، قال سبحانه : * ( مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ ) * ( 3 ) . وقال اجل ذكره : * ( سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ ويُسْئَلُونَ ) * ( 4 ) . وأمره أن يكل أمور اليتامى في أملاكهم وأموالهم ، ومراعاة شؤونهم وأحوالهم ، إلى الثّقات الأعفّاء ، والكفاة الأتقياء ، الذين لا تستهويهم دواعي
هامش
( 1 ) الوزر ( بالتحريك ) : الجبل المنيع ، والملجأ والمعتصم . ( 2 ) القمن : الخليق ، والجدير ، ومثلها القمين . والمراد : كان مستحقا بنسبة . الخ . ( 3 ) البقرة / 282 . ( 4 ) الزخرف / 19 .