تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 282

مساهمون:

ص٢٨٢
ثلم أمانة ، أو قارف خيانة ، مستظهرا بترتيب المشرفين الذين خبر أحوالهم ، وسبر أفعالهم . وأن يتقدّم إلى المستنابين قبله بالإنفاق عليها حسب الحاجة من محصولها ، حافظا بما تعمّده من ذلك لأصولها ، وجباية ارتفاعها من مظانّها ، والتماس حقوقها في أوانها ، وصرفها في وجوهها التي شرطها واقفوها ، وعيّن عليها أربابها وأهلوها ، غير مخلّ مع ذلك بالإشراف والتطلَّع ، ولا مهمل للفحص والتبلَّغ ؛ فمن ألفاه حميد الأثر ، ورضيّ العيان والخبر ، عوّل عليه ، وفوّض مستنيما إليه ، ومن وجده قد مدّ إلى خيانة يده استبدل به وعزله ، جزاء بما فعله : * ( إِنَّ الله لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً ) * ( 1 ) . وأمره أن يستخلف على مانأى عنه من البلاد من جمع [ إلى الوقار ] ( 2 ) الحلم ، وإلى الدّراية الفهم ، وإلى التيقّظ الاستبصار ، وإلى الورع الاستظهار : ممن لا يضيق بالأمور ذرعا ، ولا تحدث له مراجعة الخصوم ضجرا ولا تبرّما ، ولا يتمادى في أسباب الزّلَّة ، ولا يقصّر عن الرجوع إلى الحقّ إذا اتّضح له ، ولا يكتفي بأدنى معدلة عن بلوغ أقصاها ، ولا تتهافت نفسه على طاعة هواها ، ولا يرجيء الأخذ بالحجة عند انكشافها ، ولا يعجّل بحكم مع اعتراض الشّبهة واكتنافها ، ولا يستميله إغراء ، ولا يزدهيه مدح وإطراء ، وأن يعهد بمثل ما عهد أمير المؤمنين إليه ، ويعذر في الإجهاد بإيجاب الحجة عليه : ليبرأ من تبعة بادرة عساه يأتيها ، أو مزلقة تناديه فيهبّ ملبّيا لداعيها ؛ قال اللَّه تعالى : * ( وتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ والتَّقْوى ولا تَعاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ والْعُدْوانِ واتَّقُوا الله إِنَّ الله شَدِيدُ الْعِقابِ ) * ( 3 ) . وأمره أن يمضي ما أمضاه الحكَّام قبله ولا يتعقّب أحكامهم بتأويل ، مجتنبا
هامش
( 1 ) النساء / 107 . ( 2 ) الزيادة من الطبعة الأميرية . ( 3 ) المائدة / 2 .
صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 282 | أحمد بن علي القلقشندي / محمد حسين شمس الدين