تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 277

مساهمون:

ص٢٧٧
وقد أمر اللَّه نبيّه صلى اللَّه عليه وسلم ، وأزلف محلَّه لديه ، بالاستظهار بالمشاورة مع عظم خطره ، وشرف قدره ؛ فقال : * ( وشاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ) * ( 1 ) . وأمره أن يختار للحكم الأماكن الفسيحة الأرجاء ، الواسعة الفضاء ، وينظر في أمور المسلمين نظرا تفترّ ثغور العدل فيه ، وتلوح خشية اللَّه من مطاويه ، فيوصّل إليه كافّة الخصوم ، ويبرز لهم على العموم ، غير مشدّد حجابه ، ولا مرتج ( 2 ) دون المترافعين إليه بابه ، وأن يولي كلَّا من الإقبال عليه ، وحسن الإصغاء إليه ، ما يكون بينهم فيه مساويا ، ولهم في مجمع الموازاة حاويا ، ولا يعطي من التفاته [ إلى ] ( 3 ) الشريف لشرفه ، وذي الشارة الحسنة من أجل ثوبه ومطرفه ، ما يمنعه من تقحمه العيون ، وتترجّم في خموله الظَّنون : فإنّ ذلك مطمع لذي الرّواء في دفع الحقّ إذا وجب عليه ، والتماس الباطل وإن ضعفت الدّواعي إليه ؛ مؤيس لذي الخمول من الانتصار لحقّه ، وإن أسفر صبح يقينه ونطقت ألسنة أدلته ؛ فالناس وإن تباينوا في الأقدار والقيمة ، وتفاوتوا في الأرزاق المقسومة ، فالإسلام لهم مجتمع ، والحقّ أحقّ أن يتّبع ، وهم عند خالقهم سواء إلا من ميّزته التقوى ، وتمسّك بسببها الأقوى ؛ قال اللَّه تعالى : * ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ الله أَتْقاكُمْ ) * ( 4 ) . وقال تعالى : * ( إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَا لله أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ الله كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ) * ( 5 ) . وأمره أن يتأمّل أحوال المترافعين إليه ، والخصوم لديه ، ويتطلَّب ما وقع نزاعهم لأجله في نصّ الكتاب ، ويعدل إلى السّنّة عند عدمه من هذا الباب ؛ فإن
هامش
( 1 ) آل عمران / 159 . ( 2 ) رتج الباب : أغلقه . ( 3 ) الزيادة من الطبعة الأميرية ، وهي لازمة لانتظام السياق . ( 4 ) الحجرات / 13 . ( 5 ) النساء / 135 .