تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
فقد من هذين الوجهين ، فليرجع إلى ما اختاره السّلف المهتدون ، وأجمع عليه الفقهاء المجتهدون ؛ فإن لم يلف فيه قولا ولا إجماعا ، ولا وجد إليه طريقا مستطاعا ، أعمل رأيه واجتهاده ، وامتطى ركاب وسعه وجياده ، مستظهرا بمشورة الفقهاء في هذه الحال ، ومستخلصا من آرائهم ما يقع عليه الاتّفاق الآمن الاعتلال : * ( والله يَقُولُ الْحَقَّ وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ) * ( 1 ) . وأمره باستعمال الأناة عند الحكومات ، واستماع الدّعاوى والبيّنات ، من غير سرعة تحدث خطلا ، ولا إفراط في التأنّي يورث مللا ، فإنّ الحقّ بين ذينك على شفا خطر ، وظهر غرر ( 2 ) ، ولا سيّما إذا كان أحد الخصمين منطيقا ، ينمّق كلامه تنميقا ، فإنه يخلب ببلاغة نطقه مستمعه ، ويغطَّي وجه الباطل بألفاظه الموشّعة ( 3 ) ، فإذا اتّفق لديه ما هذا سبيله ، شحذ له غرب فطنته ، وأرهف غرار فكره وبصيرته ، ومنح كلَّا من الإنصات ما يجتلي وجه النّصف منيرا ، ويغدو لأشياع الجور مبيرا . وإن ذو اللَّسن روّعه ، وأو همه أنّ الحقّ معه ، بما يلفّقه من كلام يقصر خصمه عن جوابه ، ويحصر ( 4 ) عن جداله واستيفاء خطابه ، مع عدم البينة المشهودة ، وتعذّر الحجة الموجودة ، استعاد كلامه واستنطقه ، واستوضح مغزاه وتحقّقه ، من غير إظهار إعجاب بما يذكره ، ولا اغترار بما يطويه وينشره ، ولا إصغاء يبدو أثر الرّغائب من فحواه ، ولا اختصاص له بما يمنع صاحبه شرواه ( 5 ) : لئلا يولَّد ذلك له اشتطاطا ، ويحدث له انطلاقا في الخصومة وانبساطا ؛ حتّى إذا ابتسم الحقّ ، وانتصر الصّدق ، وفلج أحدهما بحجّته ، ولحن ببيّنته ، أقرّ الواجب في نصابه ، وأداله من جنود الظَّلم وأحزابه ، وأمضى الحكم فيه باعتزام صادق ، ورأي محصد الوثائق ، غير ملتفت إلى مراجعة الخصوم وتشاجرهم ، وشكواهم
هامش
( 1 ) الأحزاب / 4 . ( 2 ) الغرر : الخطر والتعريض للهلكة . ( 3 ) الموشّع : الموشى . ( 4 ) حصر في كلامه : عيي . ( 5 ) شروى الشيء : مثله ونظيره .