تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 275

مساهمون:

ص٢٧٥
داعي هفوة أو صبوة ، إلا كان الخوف قادعه ( 1 ) ، والحذار مانعه ، وأن يجعل التواضع والوقار شيمته ، والحلم دأبه وخليقته ، فيكظم غيظه عند احتدام أواره ، واضطرام ناره ، مجتنبا عزّة الغضب الصائرة إلى ذلَّة الاعتذار ، ومتوخّيا في كل حال للمقاصد السليمة الإيراد والإصدار ، وأن يتأمل أحوال غيره تأمّل من جعلها لنفسه مثالا ، واتّخذها لنسجه منوالا ؛ فما استحسنه منها فيأتيه ، وما كرهه فيجتويه ( 2 ) ، غير ناه عمّا هو من أهله ، ولا آمر بما هو مجانب لفعله ؛ قال اللَّه جلَّت عظمته : * ( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) * ( 3 ) . وأمره بتلاوة كتاب اللَّه مواظبا ، والإكثار من قراءته دائبا ، وأن يجعله إماما يقتفيه ، ودليلا يتّبعه فيهديه ، ونورا يستضيء به في الظَّلمات ، وهاديا يسترشده عند اعتراض الشّبهات ، وموئلا يستند إليه في سائر أحكامه ، وحصنا يلجأ به في نقضه وإبرامه ، عاملا بأوامره ، ومزدجرا بزواجره ، ومنعما نظره في محكم آياته ، وصادع بيّناته ، ومعملا فكره في خوض غماره ، واستخراج غوامض أسراره ؛ فإنّه الحقّ الذي لا يجور متّبعه ، والمتجر الذي لا يبور مبتضعه ، والمنار الذي به يقتدى ، والمنهج الذي بأعلامه يهتدى ، والمصدر الذي تغرى به الأمور في ملبس الإشكال ، وتشرع معه الأحوال المستبهمة في ورود الوضوح السّلسال ، وينبوع الحكمة الذي ضرب اللَّه فيه الأمثال ، وفرق فيه بين الحرام والحلال ، والهداية والضّلال ؛ قال اللَّه سبحانه : * ( ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدىً ورَحْمَةً وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ ) * ( 4 ) . وأمره بدراسة السّنن النّبويّة صلوات اللَّه على صاحبها ، والاقتداء بما جاءت به من مكارم الأخلاق التي ندب إليها ، وحضّ عليها ، وتتبّع ما يتداخلها من
هامش
( 1 ) قدع فلانا عن الشيء : كفّه ومنعه . ( 2 ) اجتوى الشيء بمعنى كرهه . ( 3 ) البقرة / 44 . ( 4 ) النحل / 89 .