للحذر ، محترسا من الغرّة ، كأنّك في مسيرك كلَّه ونزولك أجمع مواقف لعدوّك رأي عين تنتظر حملاتهم ، وتتخوّف كرّاتهم ، معدّا أقوى مكايدك ، وأرهب عتادك ، وأنكأ جدّك ( 1 ) ، وأجدّ تشميرك ( 2 ) ، معظَّما أمر عدوّك لأعظم مما بلغك ، حذرا يكاد يفرط : لتعدّ له من الاحتراس عظيما ، ومن المكيدة قويّا ، من غير أن يفثأك ( 3 ) ذلك عن إحكام أمورك ، وتدبير رأيك ، وإصدار رويّتك ، والتأهّب لما يحزبك ( 4 ) ، مصغّرا له بعد استشعار الحذر ، واضطمار الحزم ، وإعمال الرّويّة ، وإعداد الأهبة : فإن ألفيت عدوّك كليل الحدّ ، وقم الحزم ( 5 ) ، نضيض ( 6 ) الوفر ، لم يضرّك ما اعتددت له من قوّة ، وأخذت له من حزم ، ولم يزدك ذلك إلا جرأة عليه ، وتسرّعا إلى لقائه . وإن ألفيته متوقّد الحرب ( 7 ) ، مستكثف الجمع ، قويّ التّبع ، مستعلي سورة الجهل ، معه من أعوان الفتنة وتبع إبليس من يوقد لهب الفتنة مسعّرا ، ويتقدّم إلى لقاء أبطالها متسرّعا ، كنت لأخذك بالحزم ، واستعدادك بالقوّة ، غير مهين الجند ، ولا مفرّط في الرأي ، ولا متلهّف على إضاعة تدبير ، ولا محتاج إلى الإعداد وعجلة التأهّب مبادرة تدهشك ، وخوفا يقلقك . ومتى تغترّ بترقيق المرقّقين ، وتأخذ بالهوينى في أمر عدوّك لتصغير المصغّرين ، ينتشر عليك رأيك ، ويكون فيه انتقاض أمرك ووهن تدبيرك ، وإهمال للحزم في جندك ، وتضييع له وهو ممكن الإصحار ، رحب المطلب ، قويّ العصمة ، فسيح المضطرب ، مع ما يدخل رعيّتك من الاغترار والغفلة عن إحكام أحراسهم ( 8 ) ، وضبط مراكزهم ، لما
هامش
( 1 ) نكأ العدوّ ونكاه ونكى فيه نكاية : قتل وجرح .
( 2 ) أي وأرهب عتادك .
( 3 ) بالفاء والثاء المثلثة : أي يكسرك ويؤخرك عن الخ .
( 4 ) حزبه الأمر : اشتدّ عليه .
( 5 ) وقم : مصدر بمعنى المفعول أي موقوم الحزم أي مقهورة . من وقم الدابة إذا جذب عنانها لتكفّ .
( 6 ) أي قليل العدّة . والنضيض : القليل . والوفر من المال والمتاع : الكثير الواسع .
( 7 ) في مفتاح الأفكار « متوقد الجمر » .
( 8 ) في المنظوم والمنثور « عن إحكام اسرارهم » .