الرفيع واختار ، واستنصح أولي الرأي منهم ومن غيرهم واستشار ، واستضاء بشهاب استخارة اللَّه عزّ وجلّ واستنار ؛ فلم يوقع اللَّه بعد طول تأمّل ، وتراخي مدّة وتمهّل ، اختياره ولا اختيار من فاوضه في ذلك من أولي التقوى والحكمة والتجربة واستشاره إلَّا عليه ، ولا صار به وبهم الاجتهاد إلَّا إليه ، ولا التقى ورّاد التّرائي والتشاور إلا بين يديه ، فولَّاه على استحكام بصيرة وبعد طول مشورة عهده ، وأفضى إليه بالأمر والنهي والبسط والقبض بعده ، وجعله خليفته في رعايا مسنده وأوطأ عقبه جماهير الرجال ، وناطه بمهمّات الأموال والأحوال ، وعهد إليه أن يتّقي اللَّه ما استطاع ، ولا يعدل عن سمت العدل وحكم الكتاب والسنّة في أحد عصى أو أطاع ، ولا ينام به عن حماية من أسهره الحيف والخوف والاضطجاع ، ولا يتلهّى دون معلن شكوى ، ولا يتصمّم عن مستصرخ لدفاع بلوى ، وأن ينتظم أقصى بلاده وأدناها في سلك تدبيره ولا يكون بين القريب والبعيد من رعيّته بون في إحصائه وتقديره ؛ ثم دعا - أدام اللَّه تأييده - لمبايعته من دنا ونأى من المسلمين ، فلبّوا مسرعين وأتوا مهطعين ( 1 ) ، وأعطوا صفقة أيمانهم متبرّعين متطوّعين ، وبايعوه على السّمع والطاعة ، والتزام سنن الجماعة ، وبذل النصيحة ، وإصفاء النّيّات الصحيحة ، وموادّة من صاحبه ، ومحاربة من حاربه ، ومكايدة من كايده ، ومعاندة من عانده ، لا يدّخرون في ذلك على حال المكره والمنشط مقدرة ، ولا يحتجّون في وقتي السّخط والرضا بمعذرة ، ثم أمر بمخاطبة أهل البلاد لتبايعه كلّ طائفة في بلدها ، وتعطيه كما أعطاه من حضر صفقة يدها ، حتّى يستوي في التزام بيعته القريب والبعيد ، ويجتمع على الاعتصام بحبل دعوته الغائب والشهيد ، وتطمئنّ من أعلام الناس وخيرهم قلوب كانت من تراخي ما انتجز قلقة ، ولم تزل ببقية التأخّر أرقة ، ويشمل الناس السرور والاستبشار ، وتتمكَّن لهم الدّعة ويتمهّد القرار ، وتنشأ في الصّلاح لهم آمال ، ويستقبلهم جدّ صاعد وإقبال ، واللَّه يبارك
هامش
( 1 ) المهطع : من ينظر في ذل وخشوع أو الذي يقبل مسرعا خائفا . وفي التنزيل العزيز « مهطعين مقنعي رؤوسهم » : إبراهيم / 43 ، و « مهطعين إلى الداع » : القمر / 8 .