تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
وبعد ، فإنا ألهمنا اللَّه من مصالح الأمم ، وخوّلنا من الحرص على مهمّات العباد الذي قطع به شأفة الكفر وختم ، وأتى به والشرك قد علم كلّ أحد اشتعال ناره فكان علما بنار مضرمة لا نارا على علم ، وقدّره من رفع الكفر من جميع الجوانب ، وقفوهم من كل جهة حتّى رماهم بالحتف الواصل والعذاب الواصب ( 1 ) ، فأصبح الشّرك من الإبادة في شرك ، والإسلام لا يخشى من قتل ولا يخاف من درك ، وثغور الإسلام عالية المبتنى ، جانية ثمار الادّخار من هنا ومن هنا ، تزاحم بروجها في السماء البروج ، وتشاهد الأعداء منها سماء قد بنيت وزيّنت وما لها من فروج ، وعساكر الملَّة المحمديّة في كلّ طرف من أطراف الممالك تجول ، وفي كلّ واد تهيم حتّى تشعر بالنصر ولكنّها تفعل ما تقول : قد دوّخت البلاد فقتلت الأعداء تارة بالإلمام وتارة بالإدهام ( 2 ) ، وسلَّت سيوفها فراعتهم يقظة بالقراع ونوما بالأحلام ، ترى أنا قد لذّ لنا هذا الأمر التذاذ المستطيب ، وحسن لدينا موقعه فعكفنا عليه عكوف المستجيد ولبّيناه تلبية المستجيب ، وجعلنا فيه جميع الآلات والحواس ، وتقسّمت مباشرته ومؤامرته سائر الزمن حتّى غدا أكثر تردّدا إلى النّفس من الأنفاس ، واستنفدنا الساعات في امتطاء المضمّر الشّموس ، وادّراع محكم الدّلاص ( 3 ) التي كأنها وميض برق أو شعاع شموس ، وتجريد المرهفات التي جفت لحاظها الأجفان ، وجرت فكالمياه وأضرمت فكالنّيران ، وتفويق السهام التي غدت قسيّها مرابعا نبالها بان ( 4 ) ، واعتقال السّمهريّة التي تقرع الأعداء سنّها ندما كلَّما قرعت هي السّنان ، إلى غير ذلك ، من كلّ غارة شعواء تسيء للكفّار الصّباح ، وتصدم كالجبال وتسير كالرّياح ، ومنازلات كم استلبت من موجود ، وكم استنجزت من نصر موعود ، وكم مدينة أضحت لها مدينة ولكن أخّرها اللَّه إلى أجل معدود .
هامش
( 1 ) الواصب : الدائم الثابت . إشارة إلى الآية الكريمة ولَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ : الصافات / 9 ( 2 ) في هامش الطبعة الأميرية « لعله بالإيهام ، أي تارة بالنزول بهم وتارة بالرعب » . ( 3 ) الدّلاص : الدروع الَّلينة . ( 4 ) كذا في الطبعة الأميرية مع علامة توقف . ولم يتبين لنا مراده بالضبط .
صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 168 | أحمد بن علي القلقشندي / محمد حسين شمس الدين