تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
وكانت شجرتنا المباركة قد امتدّ منها فرع تفرّسنا فيه الزيادة والنموّ ، وتوسّمنا منه حسن الجنى المرجوّ ، ورأينا أنّه الهلال الذي قد أخذ في ترقّي منازل السّعود إلى الإبدار ، وأنه سرّنا الذي صادف مكان الاختبار له مكان الاختيار ، فأردنا أن ننصبه في منصب أحلَّنا اللَّه فسيح غرفه ، ونشرّفه بما خوّلنا اللَّه من شرفه ، وأن تكون يدنا ويده تلتقطان من ثمره ، وجيدنا وجيده يتحلَّيان بجوهره ، وأنّا نكون للسلطنة الشريفة السمع والبصر ، وللملكة المعظَّمة في التناوب بالإضاءة الشمس والقمر ، وأن تصول الأمّة منّا ومنه بحدّين ، ويبطشوا من أمرنا وأمره بيدين ، وأن نرتّبه على حسن سياسة تحمد الأمّة - إن شاء اللَّه تعالى - عاقبتها عند الكبر ، وتكون الأخلاق الملوكية منتشئة منه ومنتشئة به من الصّغر ، ونجعل سعي الأمّة حميدا ، ونهب لهم منه سلطانا نصيرا وملكا سعيدا ، ونقوّي به عضد الدين ونريش جناح المملكة ، وننجح مطلب الأمة بإيالته وكيف لا ينجح مطلب فيه بركة ؟ . وخرج أمرنا ، لا برح مسعدا ومسعفا ، ولا عدمت الأمة منه خلفا منبلا ( 1 ) ونوءا محلفا ، بأن يكتب هذا التقليد لولدنا السعيد ناصر الدين « بركة خاقان محمد » جعل اللَّه مطلع سعده بالإشراق محفوفا ، وأرى الأمّة من ميامنه ما يدفع للدّهر صرفا ويحسن بالتدبير تصريفا - بولاية العهد الشريف على قرب البلاد وبعدها ، وغورها ونجدها ، وقلاعها وثغورها ، وبرورها وبحورها ، وولاياتها وأقطارها ، ومدنها وأمصارها ، وسهلها وجبلها ، ومعطَّلها ومغتلَّها ، وما تحوي أقطاره الأحلام ، وما ينسب للدولة القاهرة من يمن وحجاز ومصر وغرب وسواحل وشام بعد شام ، وما يتداخل ذلك من قفار ومن بيد في سائر هذه الجهات ، وما يتخلَّلها من نيل وملح وعذب فرات ( 2 ) ، ومن يسكنها من حقير وجليل ، ومن يحلَّها من صاحب رغاء وثغاء ( 3 ) وصليل وصهيل ، وجعلنا يده في ذلك كلَّه المبسوطة ،
هامش
( 1 ) أنبل فلان : أتى بولد نبيل . وأنبلت فلانا : أعطيته النبل ليرمي . والمراد أنه نافع معين . ( 2 ) الفرات : الماء الشديد العذوبة . ( 3 ) يقال : ماله ثاغية ولا راغية أي ماله شاة ولا بعير .