تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
ثم الذي رأيته في دستور معتمد ينسب للمقرّ العلائيّ بن فضل اللَّه أنه يكون بين كلّ سطرين قدر ربع ذراع . وأخبرني بعض فضلاء الكتّاب أنه رأى في بعض الدساتير أنّ سطوره تكون مزدوجة على نظير البسملة والسطر الأول ، وبين كل سطرين بعد بيت العلامة تقدير خمسة أصابع مطبوقة . قلت : ولعل ذلك تفنّن من الكاتب وتطريز للكتابة ، لا على سبيل اللَّزوم . فإن قيل : لم كان مقدار البياض بين سطور العهد مع كبر قطع الورق دون بياض ما بين سطور التقاليد ونحوها مما يكتب عن السلطان على ما سيأتي ذكره ؟ فالجواب أن العهد كالمكاتبة من العاهد للمعهود إليه ، كما أنّ التقليد كالمكاتبة من المقلَّد للمقلَّد ، والأعلى في حقّ المكتوب إليه أن تكون السطور متضايقة على ما تقدّم في الكلام على المكاتبات ؛ فناسب أن تكون سطور العهد أكثر تقاربا من سطور التقليد وما في معناه ، تعظيما لشأن السلطان في الحالتين . فإن قيل : ينقض ذلك بعظم قلم العهد ، ضرورة أنه كلَّما غلظ القلم كان أنزل في رتبة المكتوب إليه على ما تقدّم أيضا ، فالجواب : أن غلظ القلم في العهد تابع للورق في كبر قطعه ، وقاعدة ديوان الإنشاء أنه كلَّما كبر قطع الورق في المكاتبات ، كان تعظيما للمكتوب إليه ، بدليل أنّ كلّ من عظم مقداره من الملوك كان قطع الورق في مكاتبته أكبر ، ولو كتب العهد بقلم دقيق مع ضيق السّطور وسعة الورق لجاء في غاية القصر . ثم قد جرت العادة أن تكون كتابة العهد من أوّله إلى آخره من غير نقط ولا شكل ، وعليه عمل الكتّاب إلى آخر وقت . قلت : هذا بناء على المذهب الراجح في أن المكاتبة إلى الرئيس تكون من غير إعجام ولا ضبط : لما في الإعجام والضّبط من استجهال المكتوب إليه ونسبته للغباوة وقلَّة الفهم ، بخلاف من ذهب إلى أن الكتابة إلى الرئيس تقيّد بالإعجام والضبط كي لا يعترضه الشكّ ، ولا يكلَّف إعمال الفكر ، على ما تقدّم ذكره في أوائل المكاتبات ، فإنه يرى نقط العهد وشكله . وإذا انتهى إلى آخر العهد كتب المشيئة ، ثم التاريخ ، ثم المستند ، ثم
صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 160 | أحمد بن علي القلقشندي / محمد حسين شمس الدين