تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 398

مساهمون:

ص٣٩٨
بالعنق ، ونهضت إليهم مستمدّة من عزمات سلطانها ، مستعدّة لانتزاع أرواح العدا على يديها من أوطانها ، فانقطعت بهم الظَّنون ، ودارت عليهم رحى المنون ، وأمطرت عليهم المجانيق أحجارها * ( فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون ) * ( 1 ) وحطَّت بساحتها عقبان تلك الأحجار ، فهدمت العمائر والأعمار ، وأجرت في أرجائها أنهار الدّماء فهلكوا بالسّيف والنّبل والنّار ، وتحكَّمت هذه الثلاثة في أهل التّثليث فبدّلوا بالخوف من أمنهم ، وهربوا منها إلى مخايل حصنهم . ولما ركب الأوّل للزّحف في جيوشه التي كاثرت البحر بأمواجه ، تزلزل الحصن لشدّة ركضه ، وتضعضع من خوف عصيانه فلحقت سماؤه بأرضه ، وتحلَّلت قواعد ما شيّد من أركانه فانحلت ، وألقت الأرض ما فيها وتخلَّت ، ومشت النّار من تحتهم وهم لا يشعرون ، ونفخ في الصّور بل في السّور فإذا هم قيام ينظرون ، وما كان إلَّا أن قابلت العساكر ذلك البرج حتّى أهوى يلثم التّراب ، وتأدّب بآداب الطاعة فخرّ راكعا وأناب ، فهاجمتهم الجيوش مهاجمة الحتوف ، وأسرعت المضاء والانتضاء فلم تدر العدا : أهم أم الَّذين في أيمانهم السّيوف التي تسبق العذل ؟ وثبت منهم من لم يجد وراءه مجالا فلجأوا إلى الأمان ، وتمسّك دنيء كفرهم بعزّة الإيمان ، وتشبّثوا بساحل العفو حتّى ظنّوا أنّهم أحيط بهم وجاءهم الموج من كلّ مكان ، وسألونا أن يكونوا لما من جملة الصّنائع ، وتضرّعوا في أن نجعل أرواحهم لسيوفنا من جملة الودائع فنتصدّق عليهم بأرواحهم كرما ، وظلَّوا على معنى الحديث النّبويّ : يرون الممات يقظة والحياة حلما وأطلقتهم اليد التي لا يخيب لديها الآمل ، وأعتقتهم اليمنى التي فجاج الأرض في قبضتها ، فمتى تشاء تجمع عليهم الأنامل ، وخرجوا بنفوس قد تجرّدت حتّى من الأجسام ، ومقل طلَّقت الكرا خوفا من الصّوارم التي تسلَّها عليهم الأحلام ، وسطَّرت والمدينة قد تسنّم أعلاها ، وشعار الإيمان قد جرّدها من لباس الكفر وأعراها ، والأعلام قد
هامش
( 1 ) سورة الأعراف 7 ، الآية 118 .