تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 401

مساهمون:

ص٤٠١
[ وهذه ] نسخة كتاب ، كتب به إلى الأبواب السلطانية عند فتح ( 1 ) ( آياس ) قاعدة بلاد الأرمن وانتزاعها من أيديهم ، وهي ( 2 ) : يقبّل الأرض وينهي أن ليلة الانتظار أطلعت صباحها ، ومواعيد الآمال بعثت على يد الإقبال نجاحها ، والعساكر المنصورة جرّدت رابع ربيع الأوّل بمدينة آياس صفاحها ، وأوردت إلى الصّدور رماحها ، فلم يكن إلَّا كلمح البصر ، ولسان صدق القتال قائل بأنّ الجيش النّاصريّ قد انتصر ، وانقضى ذلك النّهار ، بإيقاد نار حرب الحصار ، على أبراج وأسوار ، أديرت على المينا كما أدير المعصم على السّوار ، فما أشرق صباح الصّفاح ولاح ، إلَّا والأعلام النّاصريّة على قلَّة ( 3 ) القلعة مائسة الأعطاف من الارتياح ، معلنة ألسنتها بحيّ على الفلاح وحيّ على النّجاح ، وعزّ الإسلام يقابل ذلّ الكفر ، بهذا النّصر وهذا الافتتاح ، وجمع الأرمن الملا تفرّق ما بين قتل وأسر وانتزاح ، ولعبت أيدي النّيران في القلعة وجوانبها ، وتفرّقت من الأسوار أعضاء مناكبها ، ونطق بالأقدار لسان النّار : هذي منازل أهل النّار في النّار . ثم انتقلت المحاصرة إلى قلعة البحر ، وضمّ الأرمن الملا إليها سيف القدرة والقهر ، وهذه القلعة عروس بكر في سماء العزّ شاهقة ، لم يسبق لأحد من الملوك الأوائل إلى خطبتها سابقة ، قد شمخت بأنفها ، ونأت بعطفها ، وتاهت على وامقها ، وغضّت عين رامقها ، فهي في عقاب لوح الجوّ كالطائر ، وسوّرها البحر والحجر فلا يكاد يصل إلى وكرها النّاظر ، وقد أوثقت بحلقات الحديد ،
هامش
( 1 ) تحدث ابن خلدون عن انهزام الأرمن في آياس وسيس على يد الناصر ، واستيلاء المسلمين على المدينتين . تاريخ ابن خلدون ( ج 10 ص 923 - 924 ) وانظر ص 222 من هذا الجزء من صبح الأعشى ، الحاشية رقم 3 . ( 2 ) كان الأولى ذكر هذه المكاتبة مع المكاتبات التي ذكرت في البشارة بالفتوح ، إذ لا مناسبة في ذكرها هنا . حاشية الطبعة الأميرية . ( 3 ) قلَّة القلعة : أعلاها .