تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 397

مساهمون:

ص٣٩٧
وظاهره من قبله العذاب ، ونصبت فوقه من الأسنّة ثغور برّاقة الثّنايا ولكنّها غير عذاب ، فعاد ذلك السّفح مصفّحا بصفاحها ، مشرقا بأعلام أسنّة رماحها ، فأرسلت إلى أرجائها ما أربى على الغمائم ، وزاد في نفحه ( 1 ) على التّمائم ( طويل ) .
وكان بها مثل الجنون فأصبحت ومن جثت القتلى عليها تمائم
ونصبت عليها المجانيق فلم ترع حقّ جنسها ، وسطت عليها فأصبح غدها في التّحامل أبعد من أمسها ، واستنهضتها العدا فأعلمتهم أنّها لا تطيق الدّفاع عن غيرها بعد أن عجزت عن نفسها ، وبسطت أنفها أمارة على الإذعان ، ورفعت أصابعها ، إما إجابة أن تذلّ للتّشهّد وإما إنابة إلى طلب الأمان ، فخاف العدا من ظهور هذا الاستظهار ، وعلموا أن المجانيق فحول لا تثبت لها الإناث التي عريت من النّفع بأيديهم فاستعانوا عليهن مع العدا بطول الجدار ، فعند ذلك غدت تكمن كمون الأساود وتثب وثوب الأسود ، وتباري بها الحصون السّماء فكلَّما قذفت هذه بكواكبها النّيّرة قذف هذا بكواكبه السّود ، ولم يكسر لهم منجنيق إلَّا ونصبوا آخر بمكانه ، ولا قطعت لأحد إصبع إلَّا وصل الآخر ببنانه ، فظلَّت تتحارب مثل الكماة ، وتتحامل تحامل الرّماة ، حتّى لقحت وفسحت للرّضا مجالا ، ومالت وميل فيها وكذلك الحرب تكون سجالا . هذا والنّقوب قد دبّت في باطنه دبيب السّقام ، وتمشّت في مفاصله كما تتمشّى في مفاصل شاربها المدام ، وحشت أضالعه نارا تشبه نار الهوى ، تحرق الأحشاء ولا يبدو لها ضرام ، قد داخلت مرسلة الوجل ، فتحققوا حلول الأجل ، وعلموا أن هذا الفتح الذي تمادت عليه الأيام قد جاء يسعى إلى ما بين يديه على عجل ، وأيقن الحصن بالانتظام في سلك الممالك الشريفة فكاد يرقصه بمن فيه فرط الجذل ، وزاد شوقه إلى التشريف ويا صبابة لوسمها واسمها مشتاق لكنهم أظهروا الجلد ، وأخفوا ضرام نار الجزع وكيف تخفى وقد وقد ، وتدفّقت إليهم الجيوش فملأت الأفق ، وأحاطت بهم إحاطة الطَّوق
هامش
( 1 ) كذا بالأصل ، ولعله : « في نفعه » . حاشية الطبعة الأميرية .