في محكم كتابه - وقد ظهر المشركون على المسلمين - * ( إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس ) * ( 1 ) وقال : * ( ليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين ) * ( 2 ) وناوب بين الفريقين في المصائب ، والمواهب ، والمسارّ ، والمضارّ ، ليشفي اللَّه صدور المؤمنين ، وليمحّص ما في قلوبهم ، ويوجب لهم إخلاص السرائر في طاعته ، والجهاد في سبيله ، والنّصرة لرسوله ، والمراماة عن دينه ، والمدافعة عن حريمه ، ضعف الثّواب وحسن المآب ، ويحلّ بالمشركين ما أعدّ لهم في دار الجزاء من أليم العذاب .
وإذا كان الحال بين الفريقين المتلاقيين ، والفئتين المتجاورتين ، والحزبين المتحاكمين ، في تعاور الغلبة ، وتعاقب الدّولة ، جاريا على تقدير اللَّه ومتصرفا على حكمه ، ومستوسقا على ما سبق في علمه ، فليس يغني في ذلك زيادة عدد ، ولا اتصال مدد ، ولا قوّةَّ أيد ، ولا لطف كيد ، ولا اختيار وقت محمود للقتال ، ولا الانتخاب لأهل البسالة والنّجدة من الرجال ، ولا يجب أن يستريث النّصر من أبطأ عنه ، ويستشعر الجزع من نال خصمه منه ، بعد تحصيله السلامة في نفسه ، وقيام العذر له بعنايته وجدّه ، وقد جمع اللَّه للأمير من المناقب ، التي ورثها عن آبائه ، وحازها في صدره ، والحيازة فيما بان من فضل بأسه ، وثبات جأشه ، وأصالة رأيه ، وصحّة تدبيره ، وإيفائه الحرب شروطها ، والهيجاء حقوقها ، من الحزم والتّؤدة ، والإقدام عند الفرصة ، والإصابة في التّقدير والتّعبير ، والاحتياط في سدّ مواقع الخلل والعورة ، وإعمال النّظر والرّويّة ، لولا اعتراض القضاء الذي هو مالك نواصي العباد ، وغير مدفوع بمحال ولا جلاد ، ولا قوّة ولا عدّة ولا عتاد - ما أوفى حسنه على مزيّة الظَّفر ، وزاد عظمه في السّناء والخطر ، إلى ما شمل عسكره في منقلبه بمراعاته لهم ، ومدافعته من ورائهم ، حتّى توافى الجمع موفورين ، وآبوا سالمين غانمين ، وباللَّه الحول والقوّة وعليه ضمان الإدالة على ما جرى به وعده
هامش
( 1 ) سورة آل عمران 3 ، الآية 140 .
( 2 ) السورة نفسها ، الآية 141 .