تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 270

مساهمون:

ص٢٧٠
الغارات على أهل الإسلام . وقد علمتم أن من أقدم على تأثير مثل هذه الآثار ، فقد استنزل في هذه الدار سخط الجبّار ، وتبوّأ في الآخرة مقعده من النار ، وجرى على غير الواجب في إقامة الفروض والصّلوات ، وتأدية العبادات والزّكوات ، وعقد العقود والمناكحات ؛ لأن هذه الأحوال إنّما ترضى وترفع ، وتجاب وتسمع ، إذا تولَّاها أمير المؤمنين ، أو من يستخلفه من صلحاء المسلمين ، فأما إذا استبددتم فيها بأنفسكم ، واقتديتم في تأديتها بناكب عن سبيله ، مجانب لدليله ، فقد تسكَّعتم في الضلالة ، وتطابقتم على الجهالة ، وكلّ راض منكم بذلك ، عاص للَّه ورسوله وللإمام . ولما اطَّلع أمير المؤمنين على ما ذهبتم إليه بسوء الاختيار ، وركبتموه من مراكب الاغترار ، لم ير أن يلغيكم ويهجركم ، ويغفلكم ولا يبصّركم ، فقدّم مكاتبتكم معذرا منذرا ، ومخوّفا محذّرا ، وبدأكم بوعظه مشفقا عليكم من زلَّة القدم ، وموقف النّدم ، وجاذبا لكم عن مضالّ الغواية ، إلى مراشد الهداية ، وافتتحكم باللَّفظ الأحسن ، والقول الألين ، وهداكم إلى السبيل الأوضح ، والمتجر الأربح ، واختار أن يهديكم اللَّه تعالى إلى طريق الرشاد ، ويدلَّكم على مقاصد السّداد ، ويعيدكم إلى الأولى ، ويبعثكم على الطريقة المثلى ، وأن تعرفوا الحقّ فتعتصموا في أيديكم من بيعته ، وتقوموا بما فرض عليكم من طاعته ، وترجعوا إلى إجماع المسلمين ، وما اتفقت عليه كلمة إخوانكم في الدّين ، وتتّبعوا مذاهب أهل السلامة ، وأولي الاستقامة ، فإن وقع ما ألقاه إليكم الموقع الذي قدّره فيكم ، وسألتم الإقالة ، فالتّوبة تنفعكم ، والعفو يسعكم ، وإن تماديتم في غيّكم وباطلكم ، وغروركم وجهلكم ، تقدّمت إليكم جيوش أمير المؤمنين مقوّمة ، ومن عصاتكم منتقمة ، وذلك مقام لا يتميز فيه البريء من السقيم ، ولا الجاهل من العليم ، ألا تسمعون اللَّه تعالى يقول : * ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ( 1 ) * ( ) * ؟ وأيّ فتنة أشدّ من طاعة الشيطان ، ومعصية السلطان ، وشقّ العصا ،
هامش
( 1 ) سورة الأنفال 8 ، الآية 25 .