تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 268

مساهمون:

ص٢٦٨
القول عليها ، ويتوسع فيها ، لتكون فراشا لما يتلوها . ثم يقال بعدها : وإنما يحمل ذلك أهل الغرارة الذين لم يلوكوا شكائم التّجارب ، ولم يمارسوا ضرائم النوائب ، وأنت فقد تذوّقت من كراهة المعصية ومرارتها ، وعذوبة الطاعة وحلاوتها ، ما يرجو أمير المؤمنين أن يكون قد وعظك وأدّبك ، وقوّمك وهذّبك ، وكشف لك عن عاقبتهما ، وعرّفك بغايتهما ، فدعتك الطاعة إليها بما أسبغته عليك من لباس شرفها ومجدها ، واستخدمته لك من أنصار إقبالها وسعدها ، ونهتك المعصية عنها بما بلوته من نوائبها وصنائعها ، وجرّبته من مرمض مراميها ومواقعها ، لأنها أقلَّت عددك ، ومزّقت مطرفك ومتلدك ، حتّى تداركك من عطف أمير المؤمنين ما أنبتك بعد الحصد ، وراشك بعد الحصّ ، وانتهى إلى أمير المؤمنين أنك حنيت إلى أتباع الضلالة الذين غرّوك ، وملت إلى أشياع الفتنة الذين استهووك ، فأصغيت إلى أقوالهم التي ظاهرها نصح وباطنها غشّ ، وآرائهم التي مواردها صلاح ومصادرها فساد ، وملت إلى معاودة الشّقاق والارتكاس في العصيان ، ومقابلة النّعمى بالكفران ، فقدّم كتابه إليك مذكَّرا ، ومنحك خطابه معذرا منذرا ، ليعرّفك حظَّك ، ويهديك رشدك ، [ ويدلَّك ] على الأحسن لك في مبدئك وعاقبتك ، ويحذّرك من مراجعة ما قارفته ، وأن تنزل عن المنزلة التي رقّاك إليها ، وتجدب رباعك من النعمة التي أرتعك فيها ، وتتخلَّى عن مرابع الدّعة التي أوردك عليها ، فانظر لنفسك حسنا ، وكن إليها محسنا ، وانتفع بمراشد أمير المؤمنين ، ولا تفسدنّ بخلافك عن أمره نصيبك من الدّنيا والدين ، فارجع إليه مسترغما فإنه يقتدي باللَّه في الرحمة للمحسنين ، ما دام مؤثرا لربّ النعمة لديك ، وإقرارها عليك . فاعلم هذا واعمل به إن شاء اللَّه تعالى . قال : وإن كانت المكاتبة إلى رعيّة قد خرجت عن الطاعة كتب إليها بما مثاله : أما بعد ، وفّقكم اللَّه لطاعته ، وعصمكم من معصيته ، فإنّ الشيطان يدلي الإنسان بغروره ، ويقيم له الضلال في صورة الهدى ببهتانه وزوره ، مستخفّا لطائشي الألباب ، ومستزلَّا للأقدام عن موقف الصواب ، محسّنا بكيده
صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 268 | أحمد بن علي القلقشندي / محمد حسين شمس الدين