يشتدّ الوغى ، وتخطر القنا ، وتقلَّص الشّفاه ، وتسفر الكماه ، فعند ذلك تسلمك المرد ، وتكشف عن الجرد . فتأهب لذلك اَّهبتك ، واخطب له خطبتك ، من المساكين والحوكة ( 1 ) ، ثم كيدوني جميعا فلا تنظرون ؛ فما أسرنا إكثارك الجموع ، وحشدك الخيول ، فإنك لا تكثّف جمعا ، ولا تسرّب خيلا ، إلَّا وثقنا بأن سيمدّنا اللَّه من ملائكته ، ويزيدنا من نصره ، بما قد جرت به سنّته ، وسلفت به عادته ، ونحن نجري من ذلك على نقمات من اللَّه ونكال وسطوات مهلكة ، فرأيتم ذلك في المنازل ، وعرفتموه في المواطن التي يجمعها الحقّ والباطل ، فأبشر منا بما ساءك ضجرا ، ومشّاك تقاد كما يقاد الجمل المخشوش .
ومن أحسن الكتب المكتتبة في هذا الباب ما كتب به قوام الدّين ( يحيى بن زيادة ) وزير أمير المؤمنين الناصر لدين ( 2 ) اللَّه الخليفة ببغداد إلى ( طغرل ) مقطع البصرة بأمر الخليفة له في ذلك ، وقد بلغه أنه نزح عنها ، قاصدا بعض الأطراف ، مفارقا لطاعة الخليفة ، عندما طلب من ديوانه شيء من المال ، فأوجب ذلك انثناءه عن عزمه وتوجّهه إلى بغداد داخلا تحت الطاعة ، ومقابلته بالصّفح وتلقّيه بالقبول .
وهذه نسخته :
أصدرت هذه الخدمة إلى الجناب الكريم ، الأميريّ ، الاسفهسلاريّ ،
هامش
( 1 ) الحوكة : ج حائك ، وهو الذي يحوك الثوب أي ينسجه . لسان العرب ( حوك ) .
( 2 ) هو أبو العباس أحمد بن المستضيء بأمر اللَّه أبي محمد الحسن بن أبي المظفر يوسف المستنجد ابن المقتفي . ولد ببغداد سنة 553 ه ، وبويع له بالخلافة بعد موت أبيه سنة 575 ه ، وتوفي سنة 622 ه ، فكانت خلافته سبعا وأربعين سنة إلَّا شهرا ، ولم يقم أحد من الخلفاء العباسيين قبله في الخلافة هذه المدة الطويلة . كان سئ السيرة في رعيّته ، ظالما ، فخرّب العراق في أيامه ، وأخذ أموال أهل البلاد وأملاكهم . وقال ابن الأثير : بقي الناصر لدين اللَّه ثلاث سنين عاطلا عن الحركة بالكلية ، وقد ذهبت إحدى عينيه والأخرى يبصر بها إبصارا ضعيفا . انظر فوات الوفيات ( ج 1 ص 66 - 68 ) ، والكامل في التاريخ ( ج 11 ص 459 ) و ( ج 12 ص 438 - 440 ) ، والبداية والنهاية ( ج 12 ص 262 ، 304 - 305 ) و ( ج 13 ص 106 - 107 ) ، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص 480 والأعلام ( ج 1 ص 110 ) .