تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 260

مساهمون:

ص٢٦٠
التمسك بخداعه على مجانبة الصواب في أموره ، وأنهم استنجدوا بكل طائفة ، وأقدموا على البلاد الإسلامية بنفوس طامعة وقلوب خائفة ، وذلك بعد أن أقاموا مدّة يشترون المخادعة بالموادعة ، ويسرّون المصارمة في المسالمة ، ويظهرون في الظاهر أمورا ، [ ويدبّرون في الباطن أمورا ] ( 1 ) ويعدون كلّ طائفة من أعداء الدين ويمنّونهم وما يعدهم الشّيطان إلَّا غرورا ، وكنّا بمكرهم عالمين ، وعلى معاجلتهم عاملين ، وحين تبيّن مرادهم ، وتكمّل احتشادهم ، استدرجناهم إلى مصارعهم ، واستجررناهم ليقربوا في القتل من مضاجعهم ، ويبعدوا في الهرب عن مواضعهم ، وصدمناهم بقوّة اللَّه صدمة لم يكن لهم بها قبل ، وحملنا عليهم حملة ألجأهم طوفانها إلى ذلك الجبل ، وهل يعصم من أمر اللَّه جبل ؟ فحصرناهم في ذلك الفضاء المتّسع ، وضايقناهم كما قد رؤي ومزّقناهم كما قد سمع ، وأنزلناهم على حكم السّيف الذي نهل من دمائهم حتّى روي وأكل من لحومهم حتّى شبع ، وتبعتهم جيوشنا المنصورة تتخطَّفهم رماحها ، وتتلقّفهم صفاحها ، ويبدّدهم في الفلوات رعبها ، ويفرّقهم في القفار طعنها المتدارك وضربها ، ويقتل من فات السيوف منهم العطش والجوع ، ويخيّل للحيّ منهم أنّ موضعه كالدنيا التي ليس للميّت إليها رجوع ، ولعله قد رأى من ذلك فوق ما وصف عيانا ، وتحقّق من كلّ ما جرى ما لا يحتاج أن نزيده به علما ولا نقيم عليه برهانا . وقد علم أن أمر هذا العدوّ المخذول ما زال معنا على هذه الوتيرة ، وأنهم ما أقدموا إلَّا ونصرنا اللَّه عليهم في مواطن كثيرة ، وما ساقتهم الأطماع في وقت ما إلا إلى حتوفهم ، ولا عاد منهم قطَّ في وقعة آحاد تخبر عن مصارع ألوفهم ، ولقد أضاع الحزم من حيث لم يستدم نعمة اللَّه عليه [ بطاعتنا ] ( 2 ) التي كان في مهاد أمنها ، ووهاد يمنها ، وحماية عفوها ، وبرد رأفتها التي كدّرها بالمخالفة بعد صفوها ، يصون رعاياه بالطاعة عن القتل والإسار ، ويحمي أهل ملَّته [ بالحذر عن
هامش
( 1 ) الزيادة من حسن التوسل ص 97 . انظر حاشية الطبعة الأميرية . ( 2 ) بياض بالأصل ، والتصحيح عن المصدر السابق ص 98 . انظر حاشية الطبعة الأميرية .
صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 260 | أحمد بن علي القلقشندي / محمد حسين شمس الدين