تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
التّجربة ، ومن أسباب السّلامة الانتباه بالعبر ، والاستدلال بما كان على ما يكون . وأنت امرؤ جرت لك وعليك أنحاء من النعم ، وأنحاء من الحجج ، عرفت بها ما لك وعليك ، فإن تأخذ بها ، عرفت كيف تسلك مسالكه ، وإن تدع الأخذ بذلك ، تدعه على علم . وقد رأيت الذي انقادت لك به النّعمة ، ووهبت لك به العافية ، فيما ألهمك اللَّه من طاعة ولاة أمورك ، والصبر لها على مواطن الحقّ التي رفع اللَّه بها ذكرك ، وأحسن عليها عقباك وذخرك ، فلم تمض بك في طاعتهم رتبة ، إلا قرّبك اللَّه بها في الخير عقبة ، ولا تبذل من نفسك نصحا ، إلَّا أوجب لك به نححا ؛ ولم تفتأ تواتر ذلك ، من مناصحتك وحسن طاعتك ، حتّى طلت بها على من طاولك ، وفضلت بها من فاضلك ، وجريت ممدودا عنانك إلى قصوى غايات أملك ، فأصبحت قريع المسلمين ، بعد خليفة اللَّه أمير المؤمنين ، وخيرته من خلقه ، بعد ذوي الفضل من أهل بيته ، حتّى مالك من رجالات العرب نظير في منزلة ، ولا نديد في حال ولا رتبة ، بل هم فيك رجلان : إما راهب منك ، وإما راغب فيك . قلت : وهذا الصنف من المكاتبات السلطانية مستمرّ الكتابة إلى زماننا . فما زالت الملوك يكتبون إلى من يتخيّلون منه خلع الطاعة من النوّاب ومن في معناهم ، ويحثّونهم على لزوم الطاعة ، ويحذّرونهم المخالفة والخروج عن الجماعة . ومن ذلك ما كتب به الشيخ شهاب الدين محمود الحلبي إلى متملك سيس ( 1 ) عند كسرة التتار ، بعد قيامه معهم في المصافّ ، ومساعدته إياهم ، وهو : بصّره اللَّه برشده ، وأراه مواقع غيّه في الإصرار على مخالفته ونقض عهده ، وأسلاه بسلامة نفسه عمن روّعته السيوف الإسلامية بفقده . صدرت تعرّفه أنه قد تحقّق ما كان من أمر العدوّ الذي دلَّاه بغروره ، وحمله
هامش
( 1 ) تقدم الحديث عنها في الصحيفة 12 من هذا الجزء من صبح الأعشى ، الحاشية رقم 2 .
صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 259 | أحمد بن علي القلقشندي / محمد حسين شمس الدين