* ( الرزق لعباده لبغوا في الأرض ) * ( 1 ) فلما ورده الخبر بما هيّأ اللَّه لنا من الرجوع إلى الفسطاط على الحال السارّة لأوليائنا ، الغائظة لأعدائنا ، سقط في يده ، وفكَّر في غليظ جرمه وخيانته ، فأدّاه الخوف الذي استشعره ، والإشفاق الذي خامره ، إلى أن ركب عظيما من الأمور ، وكاشف بالعصبيّة والغرور ، مكاتفا أعداء ( 2 ) ، ومواليا ذوي العداوة والشّنارة ( 3 ) ، ونرجو بحول اللَّه وقوّته ، وإرادته ومشيئته ، وما لم يزل اللَّه - تقدّس اسمه - يجريه عندنا من جميل عاداته فيمن سفه الحق ، وزاغ عن القصد ، أن يبسل هذا الخائن بخبائث أعماله ، ويسلمه لقبائح أفعاله ، وأن يصرعه بأسو أمصارع أمثاله ، فإنّ أحدا لم يحمد النعمة ، إلَّا استدعى النّقمة ، ولم يذع الشكر ، ويستعمل الكفر ، إلَّا كانت العثرة منه قريبة ، والبلايا محيطة ، قولا لا يبدّل رسمه ولا يحوّل .
من كتاب موسى ( 4 ) بن عيسى :
أما بعد ، فإن امرأ لو خلص من فلتات الخطأ وخطوات الملإ ( 5 ) ، بفضيلة رأي ولطافة بصر بالأمور ، كنت أحجى بذلك دون أهل زمانك ، للذي جرت لك عليه تصاريف التبع وتعرّضت لك به وجوه العبر ، ولما استقبلت من موارد أمور نفسك ، وتعقّبت من مصادر أمور غيرك ، ولكنّ اللَّه إذا أراد أمرا جعل له من قضائه سببا ، ومن مقاديره عللا ، فمن مقادير علل البلاء تضييع المعرفة ، وإلغاء ما تفيده
هامش
( 1 ) سورة الشورى 42 ، الآية 27 .
( 2 ) بياض في الأصل ، ولعلَّه : « الامارة » . حاشية الطبعة الأميرية .
( 3 ) الذي في كتب اللغة : الشنار ، وهو العيب الذي فيه عار ، أو أقبح العيب والعار . لسان العرب ( شنر ) .
( 4 ) هو موسى بن عيسى بن موسى بن محمد العباسي الهاشمي ، كان جوادا عاقلا ، ولَّاه هارون الرشيد الكوفة فدمشق ، إذ تزوج موسى عليّة بنت المهدي العباسية أخت هارون الرشيد . توفي سنة 183 ه . انظر الولاة والقضاة ص 132 - 137 ، ووفيات الأعيان ( ج 2 ص 467 ) ، وفوات الوفيات ( ج 3 ص 123 ) والنجوم الزاهرة ( ج 2 ص 66 ) . والأعلام ( ج 7 ص 326 ) .
( 5 ) الملأ : الطمع والظن ، وبه فسّر قوله ( وافر ) . فقلنا أحسني ملأ جهينا أي أحسني ظنا . لسان العرب ( ملأ ) .