تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 381

مساهمون:

ص٣٨١
صابرون لا مصابرون ؛ كم شكت منه حماة تثني بنكرها قلَّة الإنصاف ، وكم خافته معرّة وما من معرّة خاف ؛ ما زالت أيدي الممالك تمتدّ إلى اللَّه بالدعاء عليه تشكو من جور جواره تلك الحصون والصّياصي ، وتبكي بمدمع نهرها من تأثير آثاره مع عصيانها وناهيك بمدمع العاصي ؛ حتّى نبّه اللَّه ألحاظ سيوف الإسلام من جفونها ، ووفّى النّصرة ما وجب من ديونها ؛ وذاك بأنّا قصدنا فسيح ربعه ، ونزلنا ونازلنا محميّ صقعه ، وختمنا بنصالنا على قلبه وسمعه ؛ وله مدن حوله خمس هو كالراحة وهي كالأنامل ، وتكاد بروجه ترى كالمطايا المقطَّرة وهي منها بمنزلة الزّوامل ( 1 ) ؛ ما خيّمنا به حتّى استبحنا محميّ تلك المدائن المكنيّ عنها بالأرباض ، وأسحنا بساحاتها بحرا من الحديد ما اندفع حتّى فاض ؛ وأخذنا الثّقوب في أسوار لا تنقض ولا ينقضّ بنيانها المرصوص ، ولا تقرأ المعاول ما لخواتم أبراجها من نقوش الفصوص ؛ ونصبنا عليها عدّة مجانيق حملت في شواهق الجبال ، على رؤوس الأبطال ؛ فتغيّظت السّمهريّة ( 2 ) أنّ الذي تقوم به هذه تلك به لا تقوم ، وأنّ ما منها إلا له من الأيدي والرّؤوس مقام معلوم ؛ وصار يرمي بها كلّ كميّ مختلس ، وأروع منتهس ( 3 ) ، وكلّ ليث غابة يحميها وتحميه . فشكرا لأسود حتّى غاباتها تفترس ؛ إلى أن جئت أسوارها على الرّكب ، وكانت سهام مجانيقها تميل من العجب فصارت تميد من العجب ، وكانت تطلب فصارت تهرب من الطَّلب ؛ واشتدّ الأمر على الكفّار فقاتلوا قتالا أقضّ مضاجع الأسلحة ، وأطار حجارة مجانيقهم بغير أجنحة ، وأشجى بشجو النّصول المترنّمة على غصون السّهام المترنّحة ؛ هذا وأهل الإيمان يتلقّون ذلك كلَّه بصبر يستطعمون منه شهدا ، وإقدام يتلقّى صدى الحديد بأكباد ما زالت إلى موارده قصدا ؛ يقتحمون نار الحرب التي كلَّما أوقدوها أطفأها اللَّه وقال يا نار كوني بردا ، والبلاد الفرنجيّة قد غضّت منها الأبصار وخشعت القلوب ،
هامش
( 1 ) الزوامل : جمع زاملة وهي ما يحمل عليها من الإبل . والزامل من الدواب : الذي كأنه يظلع في سيره من نشاطه . ( 2 ) تغيظت : أظهرت الغيظ . والسمهرية : الرماح القوية المستقيمة . ( 3 ) الأروع : المريع المخيف . والمنتهس : الذي ينهس أو ينهش بأسنانه .
صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 381 | أحمد بن علي القلقشندي / محمد حسين شمس الدين