تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧
ومن خبر الكفّار أنهم إلى الآن على عكَّا يمدّهم البحر بمراكب أكثر عدّة من أمواجه ، ويخرج للمسلمين منهم أمر من أجاجه ( 1 ) ؛ قد تعاضدت ملوك الكفر ( 2 ) على أن ينهضوا إليهم من كلّ فرقة منهم طائفة ، ويقلَّدوا لهم من كل قرن يعجز بالكرّة واصفه ؛ فإذا قتل المسلمون واحدا في البرّ بعث البحر عوضه ألفا ، وإذا ذهب بالقتل صنف منهم أخلف بدله صنفا ؛ فالزّرع أكثر من الجداد ( 3 ) ، والثمرة أنمى من الحصاد . وهذا العدو المقاتل - قاتله اللَّه - قد زرّ عليه من الخنادق أدراعا متينة ، واستجنّ من الجنويات ( 4 ) بحصون حصينة ؛ مصحرا ومتمنّعا ، وحاسرا ومتدرّعا ومواصلا ومنقطعا ؛ وكلَّما أخرج رأسا قد قطعت منه رؤوس ، وكلَّما كشف وجها كشف من غطاء أجسادها نفوس ؛ فكم من يوم أرسلوا أعنّة السوابق فذمّوا عقبى إرسالها ، وكم من ساعة فضّوا فيها أقفال الخنادق فأفضى إليهم البلاء عند فضّ أقفالها ؛ إلا أنّ عددهم الجمّ قد كاثر القتل ، ورقابهم الغلب قد قطعت النّصل لشدّة ما قطعها النصل . ومن قبل الخادم من الأولياء قد آثّرت المدّة الطويلة ، والكلف الثقيلة ، في استطاعتهم لا في طاعتهم ، وفي أجوالهم ( 5 ) لا في شجاعتهم ؛ فالبرك ( 6 ) قد أنضوه ، والسّلاح قد أحفوه ، والدّرهم قد أفنوه ؛ وكلّ من يعرفهم من أهل المعرفة ، ويراهم بالعين فما هم مثل من يراهم بالصّفة ؛ يناشد اللَّه المناشدة النبويّة ، في الصّيحة البدرية ؛ اللهم إن تهلك هذه العصابة ، ويخلص الدعاء ويرجو على يد أمير المؤمنين الإجابة . هذا والساحل قد تماسك ، وما تهالك ؛ وتجلَّد ، ما تبلَّد ؛ وشجّعته مواعد النّجدة الخارجة ، وأسلته عن مصارع العدّة الدّارجة ؛ فكيف به إذا خرج داعية الألمان ، وملوك للصّلبان ، وجموع ما
هامش
( 1 ) الأجاج : ما يلذع الفم بمرارته أو ملوحته . ( 2 ) والإشارة هنا إلى الحملة الصليبية الثالثة . ( 3 ) الجداد ، بفتح الجيم وكسرها : أوان قطع ثمر النخل . ( 4 ) لعل المراد : احتمى بالسفن الكبيرة الجنويّة ( نسبة إلى جنوه بإيطاليا ) كأنها الحصون الحصينة . ( 5 ) الأجوال : جمع جول وهي الكتيبة الضخمة . والمراد : أثرت في أعدادهم لا في شجاعتهم . ( 6 ) البرك : الصدر .