تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 552

مساهمون:

ص٥٥٢
الساحل أمواج تلك البحور ، ونواشب تبأى بها الوجوه الوجيهة عند اللَّه والنّحور ، فالمقضب فوده يخضب ، والأسمر غصنه يستثمر ، والمغفر حماه يخفر ، وظهور القسيّ تقصم ، وعصم الجند الكوافر تفصم ، وورق اليلب في المنقلب يسقط ، والبتّر تكتب والسّمر تنقط ؛ فاقتحم الرّبض الأعظم لحينه ، وأظهر اللَّه لعيون المبصرين والمستبصرين عزّة دينه ، وتبرّأ الشيطان من خدينه ( 1 ) ، ونهب الكفّار وخذلوا ، وبكلّ مرصد جدّلوا ، ثم دخل البلد بعده غلابا ، وجلَّل قتلا واستلابا . فلا تسل ، إلا الظَّبى والأسل ، عن قيام ساعته ، وهول يومها وشناعته ، وتخريب المبائت والمباني ، وغنى الأيدي من خزائن تلك المغاني ، ونقل الوجود الأوّل إلى الوجود الثاني ، وتخارق السيف فجاء بغير المعتاد ، ونهلت القنا الرّدينيّة من الدماء حتّى كادت تورق كالأغصان المغترسة والأوتاد ، وهمت أفلاك القسيّ ( 2 ) وسحّت ، وأرنّت حتّى بحّت ، ونفدت موادّها فشحّت بما ألحّت ، وسدّت المسالك جثث القتلى فمنعت العابر ، واستأصل اللَّه من عدوّه الشأفة ( 3 ) وقطع الدابر ، وأزلف الشهيد وأحسب الصابر ، وسبقت رسل الفتح الذي لم يسمع بمثله في الزمن الغابر ، تنقل البشرى من أفواه المحابر ، إلى آذان المنابر . أقمنا بها أيّاما نعقر الأشجار ، ونستأصل بالتخريب الوجار ( 4 ) ، ولسان الانتقام ، من عبدة الأصنام ، ينادي يا لثارات الإسكندرية تشفّيا من الفجّار ، ورعيا لحقّ الجار ، وقفلنا وأجنحة الرايات ، برياح العنايات خافقه ، وأوفاق التوفيق الناشئة من خطوط الطريق موافقه ، وأسواق العزّ باللَّه نافقه ، وحملاء الرفق مصاحبة - والحمد للَّه - مرافقه ، وقد ضاقت ذروع الجبال ، عن أعناق
هامش
( 1 ) الخدين : الخدن ، وهو الصاحب والصديق . ( 2 ) القسيّ : ج قوس . ( 3 ) إستأصل اللَّه من عدوّه الشأفة : أي أذهبه وأزاله من أصله ، والشأفة : الأصل . ( 4 ) الوجار : بكسر الواو وفتحها : حجر الضبع وغيرها ، والجمع أوجرة ، ووجر .
صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 552 | أحمد بن علي القلقشندي / محمد حسين شمس الدين