تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 528

مساهمون:

ص٥٢٨
فضرب معنا مصافّ قتّلت فيه فرسانه ، وجدّلت شجعانه ، وخذلت صلبانه ، وساوى الضرب بين حاسر القوم ودارعهم ، وبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ، فهنالك لاذوا بالخنادق يحفرونها ، وإلى الستائر ينصبونها ، وأخلدوا إلى الأرض متثاقلين ، وحملوا أنفسهم على الموت متحاملين ، وظاهروا بين الخنادق ، وراوحوا بين المجانق ( 1 ) ، وكلما يجنّ القتل من عددهم مائة أوصلها البحر ممن يصل وراءه بألف ، وكلَّما قلَّوا في أعيننا في زحف ، قد كثروا فيما يليه من الزّحف ، ولو أن دربة عساكرنا في البحر كدربتها في البر ، لعجّل اللَّه منهم الانتصاف واستقلّ واحدنا بالعشرة ومائتنا بالألف . وقد اشتهر خروج ملوك الكفّار في الجمع الجمّ ، والعدد الدّهم ، كأنّهم إلى نصب يوفضون ، وعلى نار يعرضون ، ووصولهم على جهة القسطنطينية - يسّر اللَّه فتحها - على عزم الائتمام إلى الشام في منسلخ الشتاء ومستهلّ الصيف ، والعساكر الإسلامية لهم تستقبل ، وإلى حربهم تنتقل ، فلا يؤمن على ثغور المسلمين أن يتطرّق العدوّ إليهم وإليها ، ويفرغ لها ويتسلَّط عليها ، واللَّه من ورائهم محيط . وإذا قسمت القوّة على تلقّي القادم وتوقّي المقيم ، فربّما أضرّ بالإسلام انقسامها ، وثلمه والعياذ باللَّه انثلامها . ولما مخض النظر زبده ، وأعطى الرأي حقيقة ما عنده ، لم نر لمكاثرة البحر إلا بحرا من أساطيله المنصورة فإنّ عددها واف ، وشطرها كاف ، ويمكنه - أدام اللَّه تمكينه - أن يمدّ الشام منه بعدّ كثيف ، وحدّ رهيف ، ويعهد إلى واليه أن يقيم إلى أن يرتبع ويصيف ، ويمكنه أن يكفّ شطرا لأسطول طاغية صقلَّيّة ليحصّ جناح قلوعه أن تطير ، ويعقل عباب بحره أن يغير ، ويعتقله في جزيرته ، ويجري إليه قبل جريرته ، فيذهب سيدنا وعقبه بشرف ذكر لا تردّ به المحامد على عقبها ، ويقيم على الكفر قيامة يطلع بها شمس النصر من مغربها ، فإذا نفذ طريقه وعلم الناس بموفده ، أوردوا وأصدروا في مورده ، وشخص
هامش
( 1 ) المجانق : ج منجنيق : وهي آلة ترمى بها الحجارة ، مؤنثة وقد تذكّر .