تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 527

مساهمون:

ص٥٢٧
إبليس الكفر وما أجارته مما أعقبه اللَّعنة ، وما كانت لنا بذلك قوّة بل للَّه القوّة ، ولا لنا على الخلق منّة بل للَّه المنّة . ولما حطَّت لدين الكفر تيجان ، وحطَّمت لذويه صلبان ، وأخرس الناقوس الأذان ، ونسخ الإنجيل القرآن ، وفكَّت الصخرة من أسرها ، وخفّ ما كان على قلب الحجر الأسود بخفّة ما كان على ظهرها ؛ وذلك أن يد الكفر غطَّتها وغمرتها ، فللَّه الحمد أن أحرمت الصخرة بذلك البنيان المحيط ، وطهّرها ماطر من دم الكفر وما كان ليطهّرها البحر المحيط ، فهنالك ( 1 ) غلب الشرك وانقلب صاغرا ، واستجاش كافر من أهله كافرا ، واستغضب أنفاره النافرة ، واستصرخ نصرانيّته المتناصرة ، وتظاهروا علينا وإنّ اللَّه مولانا ، وطاروا إلينا زرافات ووحدانا ، فلم يبق طاغية من طواغيهم ، ولا أثفيّة ( 2 ) من أثافيهم ، إلا ألجم وأسرج ، وأجلب وأرهج ، وخرج وأخرج ، وجاد بنفسه أو بولده ، وبعدده وبعدده ، وبذات صدره وبذات يده ، وبكتائبه برّا ، وبمراكبه بحرا ، وبالأقوات للخيل والرّجال ، والأسلحة والجنن لليمين والشّمال ، وبالنقدين على اختلاف صنفيهما في الجمع ، وائتلاف وصفيهما في النّفع ، وأنهض أبطال الباطل ، من فارس وراجل ، ورامح ونابل ، وحاف وناعل ، ومواقف ومقاتل ، كلّ خرج متطوّعا ، وأهطع ( 3 ) مسرعا ، وأتى متبرّعا ، ودعا نفسه قبل أن يستدعى ، وسعى إلى حتفها قبل أن يستسعى ، حتّى ظننّا [ أنّ ] في البحر طريقا يبسا ، وحتّى تيقّنّا أن ما وراء البحر قد خلا وعسا ، وقلنا : كيف نترك ، وقد علم أنه يدرك ، وزادت هذه الحشود المتوافية ، وتجافت عنها الهمم المتجافية ، وكثرت إلى أن خرجت من سجن حصرها ، ومستقرّ كفرها ، وبقيّة ثغرها - وهو صور - فنازلت ثغر عكَّا في أسطول ملك بحره ، وجمع سلك برّه - فنهضنا إليه ، ونزلنا عليهم وعليه ،
هامش
( 1 ) فهنالك : لعلها جواب شرط « لما » في قوله في أول الفقرة : « ولما حطَّت » حاشية الطبعة الأميرية . ( 2 ) الأثفيّة : العدد الكثير أو الجماعة . ( 3 ) يقال : أهطع فلان في عدوه : أسرع .