تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 295

مساهمون:

ص٢٩٥
عنه والمكتوب إليه . فأما المكاتبات الصادرة عن الملوك والصادرة إليهم ، فقد ذكر في « موادّ البيان » أنه لا يتمثل فيها بشيء من الشعر ، إجلالا لهم عن شوب العبارة عن عزائم أوامرهم ونواهيهم والأخبار المرفوعة إليهم ، بما يخالف نمطها ووضعها ، ولأن الشعر صناعة مغايرة لصناعة الترسّل ، وإدخال بعض صنائع الكلام في بعض غير مستحسن . قلت : الذي ذكره عبد الرحيم بن شيث في كتابه « معالم الكتابة ومواضع الإصابة » أنه [ يتمثّل ] بالشعر في المكاتبات الصادرة عن الملوك دون غيرهم ، وهو معارض لما ذكره في « موادّ البيان » . وكأنه في موادّ البيان يريد الكتب النافذة عن الملوك إلى من دونهم ، أو ممّن دونهم إليهم . أما الملوك والخلفاء إذا كتبوا إلى من ضاهاهم في أبّهة الملك وقاربهم في علوّ الرتبة ، فإنه لا يمنع التمثّل بأبيات الشعر فيها ، تطريزا للنثر بالنّظم ، وجمعا بين جنسي الكلام اللذين هما خلاصة مقاصده . وما زالت الخلفاء والملوك السالفة يخلَّلون كتبهم الصادرة عنهم إلى نظرائهم في علوّ الرتبة بالأبيات الرقيقة الألفاظ ، البديعة المعاني ، للاستشهاد على الوقائع المكتوب بسببها ، كما كتب أمير المؤمنين « عثمان بن عفّان » رضي اللَّه عنه حين تمالأ عليه القوم واجتمعوا على قتله إلى عليّ بن أبي طالب كرّم اللَّه وجهه : ( طويل )
فإن كنت مأكولا ، فكن خير آكل وإلَّا فأدركني ولمّا أمزّق
( 1 ) ! وكما كتب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب كرّم اللَّه وجهه ! إلى معاوية بن أبي سفيان ، في جواب كتاب له حين جرى بينهما التنازع في الخلافة ، فقال في أثناء كتابه : وزعمت أنّي لكلّ الخلفاء حسدت ، وعلى كلَّهم بغيت ؛ فإن يك ذلك كذلك فليست الجناية عليك ، فيكون العذر إليك : ( طويل )
هامش
( 1 ) البيت من أبيات للممزّق العبدي قالها لعمرو بن هند وتمثّل بها عثمان بن عفان في كتابه إلى علي بن أبي طالب يوم الدار ، وقد وردت جميعها في العقد الفريد ( ج 2 ص 163 - 164 ) وورد وحده في العقد الفريد ( ج 4 ص 310 ) .
صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 295 | أحمد بن علي القلقشندي / محمد حسين شمس الدين