تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
وإسقاطا لحجّة أدبهم . قال ابن عبد ربه : فامتثل هذه المذاهب وأجر عليها القوم ( 1 ) . قال في « موادّ البيان » : وذلك أن المعاني التي يكتب فيها وإن كان كلّ منها جنسا بعينه ، كالتهنئة والتّعزية والاعتذار والعتاب والاستظهار ونحو ذلك ، فإنه لا يجوز أن يخرج المعنى لكلّ مخاطب على صيغة واحدة من اللفظ ، بل ينبغي أن يخرج في الصيغة المشاكلة للمخاطب ، اللائقة بقدره ورتبته . ألا ترى أنك لو خاطبت سلطانا أو وزيرا بالتعزية عن مصيبة من مصائب الدنيا ، لما جاز أن تبني الكلام على وعظه وتبصيره وإرشاده وتذكيره وحضّه على الأخذ بحظَّ من الصبر ، ومجانبة الجزع ، وتلقّي الحادثات بالتسليم والرّضا ؛ وإنما الصواب أن تبني الخطاب على أنه أعلى شانا ، وأرفع مكانا ، وأصحّ حزما ، وأرجح حلما ، من أن يعزّى ؛ بخلاف المتأخّر في الرتبة ، فإنه إنما يعزّى تنبيها وتذكيرا ، وهداية وتبصيرا ، ويعرّف الواجب في تلقّي السّرّاء بالشّكر ، والضّرّاء بالصبر ، ونحو ذلك . وكذلك إذا كاتبت رئيسا في معنى الاستزادة والشّكوى ، لا يجوز أن تأتي بمعناهما في ألفاظهما الخاصّة ، بل يجب أن تعدل عن [ ألفاظ ] الشكوى إلى ألفاظ الشّكر ، وعن ألفاظ الاستزادة إلى ألفاظ الاستعطاف والسّؤال في النّظر ، لتكون قد رتّبت كلامك في رتبته ، وأخرجت معناك مخرج من يستدعي الزيادة لا من يشكو التقصير . قال ابن شيث في « معالم الكتابة » : ولا يخاطب السلطان في خلال الكتابة إليه بسيّدنا مكان مولانا ، فإن « سيدنا » كأنها خصّصت بأرباب المراتب
هامش
( 1 ) عبارة العقد الفريد ( ج 4 ص 184 ) هي : « وأجر على هذه القواعد ، وتحفّظ في صدور كتبك وفصولها وخواتمها ، وضع كل معنى في موضع يليق به وتخير لكل لفظة معنى يشاكلها » .
صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 292 | أحمد بن علي القلقشندي / محمد حسين شمس الدين