تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 290

مساهمون:

ص٢٩٠
وإن كان المكتوب عنه مرؤوسا بالنسبة إلى المكتوب إليه كالتابع ومن في معناه ، فقال في « موادّ البيان » : ينبغي أن يتحفّظ في شأن الكتب النافذة عنه من الإتيان بنون العظمة وغيرها من الألفاظ التي فيها تعظيم شأن المكتوب عنه مثل أن يقول : أمرت بكذا ، أو نهيت عن كذا ، أو أوعزت بكذا ، أو تقدّم أمري إلى فلان بكذا ، أو أنهي إليّ كذا ، أو خرج أمري بكذا ، وما في معنى ذلك مما لا يخاطب به الأتباع رؤساءهم ، بل يعدل عن مثل هذه الألفاظ إلى ما يؤدّي إلى معناها مما لا عظمة فيه ، مثل أن يقول : وجدت صواب الرأي كذا ففعلته ، ورأيت السياسة تقتضي كذا فأمضيته ، وما أشبه ذلك ، إن كان عرف الكتّاب على الخطاب بالتاء ، وإلا قال : وجد المملوك صواب الرأي كذا ففعله ، ورأى السياسة تقتضي كذا فأمضاه ، وما يجري هذا المجرى . وأما المكتوب إليه ، فقال أبو هلال العسكريّ في كتابه « الصناعتين » : ينبغي أن يعرف قدر المكتوب إليه من الرؤساء ، والنّظراء ، والعلماء ، والوكلاء ؛ ليفرّق بين من يكتب إليه « أنا أفعل كذا » ومن يكتب إليه « نحن نفعل كذا » ( فأنا ) من كلام الأشباه والإخوان ، ( ونحن ) من كلام الملوك ؛ ويفرّق بين من يكتب إليه « فإن رأيت أن تفعل كذا » وبين من يكتب إليه : ( فرأيك ) . قال في « موادّ البيان » : وذلك إنّ قولهم فإن رأيت أن تفعل كذا لفظ النّظراء والمساوين ، بخلاف فرأيك ، فإنه لا يكتبه إلا جليل معظَّم ؛ لتضمنها معنى الأمر والتقدير فر رأيك ، بخلاف فإن رأيت ، فإنه لا أمر فيه ، إذ يقال : فإن رأيت أن تفعل كذا فافعله . على أنّ الأخفش قد أنكر هذا على الكتّاب ؛ لأن أقل الناس يقول للسلطان : انظر في أمري ، ولفظه لفظ الأمر ومعناه السؤال . وذكر مثله في « صناعة الكتّاب » عن النحويين . قال في « موادّ البيان » : وحجّة الكتّاب أن المشافهة تحتمل ما لا تحتمله المكاتبة ؛ لأن المشافهة حاضر يحضر الإنسان لا يمكنه تقييده وترتيبه ، والمكاتبة بخلاف ذلك ، فلا عذر لصاحبها في الإخلال بالأدب . قال ابن شيث : وقد اصطلحوا على أن يكتب في أواخر الكتب :
صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 290 | أحمد بن علي القلقشندي / محمد حسين شمس الدين