السائر « : وهذا من أدق السرقات مذهبا وأحسنها صورة ، ولا يأتي إلا قليلا . فمن ذلك قول المتنبي :
وإذا أتتك مذمّتي من ناقص
فهي الشّهادة لي بأنّي كامل ( 1 )
وهذا المعنى استخرجه المتنبي من قول بعض ( 2 ) شعراء الحماسة ، وإن لم يكن صريحا فيه حيث يقول :
لقد زادني حبّا لنفسي أنّني
بغيض إلى كلّ امريء غير طائل ( 3 )
قال في « المثل السائر » : والمعرفة بأنّ هذا المعنى من ذلك المعنى عسر غامض غير متبيّن إلا لمن أعرق في ممارسة الشعر ، وغاص على استخراج المعاني . قال : وبيان ذلك أن الأوّل يقول : إن بغض الذي هو غير طائل إيّاي قد زاد نفسي حبّا إليّ ، أي قد جمّلها في عيني وحسّنها عندي كون الذي هو غير طائل منقصي ؛ والمتنبي يقول : إن ذم الناقص إياه بفضله كتحسين بغض الذي هو غير طائل نفس ذلك عنده .
وأظهر من ذلك أخذا من هذا الضرب قول البحتريّ في قصيدة ( 4 ) يفخر فيها بقومه :
شيخان قد ثقل السّلاح عليهما
وعداهما رأي السميع المبصر
هامش
( 1 ) في بعض النسخ : « فاضل » .
( 2 ) وهو الطرماح بن حكيم الطائي ، كما في الإيضاح : 422 .
( 3 ) وقد ذكر العميدي في كتابه « الإبانة عن سرقات المتنبي ص : 50 ، بيتا لنصر بن سيار استخرج منه المتنبي بيته المذكور . وبيت نصر هو :ولربما نفع العدوّ بعقله
ولربما ضرّ الصديق الجاهل .وأضاف العميدي : وأخذه المتنبي من قصيدة أخرى :ومن العداوة ما ينالك نفعه
ومن الصداقة ما يضرّ ويؤلم( 4 ) ومطلعها :أقصر فإن الدهر ليس بمقصر
حتى يلفّ مقدما بمؤخّر