وكان من صغره تاركا لما يشتغل به الأطفال من اللعب فلما رأى والده آثار الفلاح عليه ظاهرة بعث به إلى عدن فاشتغل بالعلم وأخذ عن العلامة أبي عبد الله البصال وغيره وعاد إلى بلاده وحببت إليه الخلوة والانقطاع والسياحة في الجبال وصحب الشيخ على الطواشي وهو الذي سلكه الطريق ثم لازم العلم وحفظ الحاوي الصغير والجمل للزجاجي ثم جاور بمكة وتزوج بها ذكره الأسنوي في طبقاته وختم به كتابه وذكر له ترجمة طويلة وقال كان إماما يسترشد بعلومه ويقتدي وعلما يستضاء بأنواره ويهتدي صنف تصانيفا كثيرة في أنواع العلوم إلا أن غالبها صغير الحجم معقود لمسائل مفردة وكثير من تصانيفه نظم فإنه كان يقول الشعر الحسن الكثير بغير كلفة ومن تصانيفه قصيدة مشتملة على قريب من عشرين علما إلا أن بعضها متداخل كالتصريف مع النحو والقوافي مع العروض ونحو ذلك وكان يصرف أوقاته في وجوه البر وأغلبها في العلم كثير الإيثار والصدقة مع الاحتياج متواضعا مع الفقر مترفعا عن أبناء الدنيا معرضا عما في أيديهم وكان نحيفا ربعة من الرجال مربيا للطلبة والمريدين ولهم به جمال وعزة فنعق بهم غراب التفريق وشتت شمل سالكي الطريق سكرت طباعه وبدت أوجاعه فشكا من رأسه ألما وجسمه سقما وأقام أياما قلائل وتوفي وهو إذ ذاك فضيل مكة وفاضلها وعالم الأبطح وعاملها يرتفع ببركة دعائه عنها الويل وينصب الوبل وتفتح أبواب السماء فيخص منها العالي ويسيل السافل انتهى وقال ابن رافع اشتهر ذكره وبعد صيته وصنف كتبا منها مرهم العلل المعظلة في أصول الدين والإرشاد والتطريز في التصوف وكتاب نشر المحاسن وكتاب نشر الروض العطر في حياة سيدنا أبي العباس الخضر وغير ذلك وكان يتعصب للأشعري وله كلام في ذم ابن تيمية ولذلك غمزه بعض من يتعصب لابن تيمية من الحنابلة وغيرهم ومن شعره :
وقائلة مالي أراك مجانبا * أمورا وفيها للتجارة مربح
فقلت لها مالي بربحك حاجة * فنحن أناس بالسلامة نفرح
شذرات الذهب في أخبار من ذهب — صفحة 211
مساهمون: عبد الحي العكري الدمشقي ( ابن العماد الحنبلي )
ص٢١١