في الأشياء على هذه الصفة وجود ما يعرض له الالتقاء وكان وجود الالتقاء بين الفاعل والمنفعل بالطبع وجودا يلزمه الفعل والانفعال فإن لم تكن الثواني لم تكن الأوائل فالكل أنما رتبت فيه القوى الفعالة والمنفعلة السماوية والأرضية الطبيعية والنفسانية بحيث تؤدي إلى النظام الكلي مع استحالة أن تكون هي على ما هي عليه ولا تؤدي إلى شرور . فيلزم من أحوال العالم بعضها بالقياس إلى بعض أن يحدث في نفس ما صورة اعتقاد ردئ أو كفر أو شر آخر في نفس أو بدن بحيث لو لم يكن كذلك لم يكن النظام الكلي يثبت فلم يعبأ ولم يلتفت إلى اللوازم الفاسدة التي تعرض بالضرورة . وقيل : خلقت هؤلاء للنار ولا أبالي وخلقت هؤلاء للجنة ولا أبالي وقيل : كل ميسر لما خلق له .
فإن قال قائل : ليس الشر شيئا نادرا أو أقليا بل هو أكثري . فليس هو كذلك بل الشر كثير وليس بأكثري وفرق بين الكثير والأكثري فإن هاهنا أمورا كثيرة هي كثيرة وليست بأكثرية كالأمراض فإنها كثيرة وليست أكثرية . فإذا تأملت هذا الصنف الذي نحن في ذكره من الشر وجدته أقل من الخير الذي يقابله ويوجد في مادته فضلا عنه بالقياس إلى الخيرات الأخرى الأبدية . نعم الشرور التي هي نقصانات للكمالات الثانية هي أكثرية لكنها ليست من الشرور التي كلامنا فيها وهذه الشرور مثل الجهل بالهندسة ومثل فوت الجمال الرائع وغير ذلك مما لا يضر في الكمالات الأولى ولا في الكمالات التي تليها مما يظهر منفعتها وهذه الشرور ليست بفعل فاعل بل لأن لا يفعل الفاعل لأجل أن القابل ليس مستعدا أوليس يتحرك إلى القبول . وهذه الشرور هي أعدام خيرات من باب الفضل والزيادة .
الشفاء - الإلهيات — صفحة 422
مساهمون: أبو علي سينا
ص٤٢٢