تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشفاء - الإلهيات — صفحة 425

مساهمون:

ص٤٢٥
ذلك بالاستشعار بل بالقياس فحالنا عنده كحال الأصم الذي لم يسمع قط في عدم تخيل اللذة اللحنية وهو متيقن لطيبها وهذا أصل . وأيضا فإن الكمال والأمر الملائم قد يتيسر للقوة الدراكة وهناك مانع أو شاغل للنفس فتكرهه وتؤثر ضده عليه مثل كراهية بعض المرضى للطعم الحلو وشهوتهم للطعوم الردية الكريهة بالذات وربما لم يكن كراهية ولكن كان عدم الاستلذاذ به كالخائف يجد الغلبة أو اللذة فلا يشعر بها ولا يستلذها وهذا أصل . وأيضا فإنه قد تكون القوة الدراكة ممنوة بضد ما هو كمالها ولا تحس به ولا تنفر عنه حتى إذا زال العائق ورجعت إلى غريزتها تأذت به مثل الممرور فربما لا يحس بمرارة فمه إلى أن يصلح مزاجه ويستنقي أعضاءه فحينئذ ينفر عن الحال العارضة له وكذلك قد يكون الحيوان غير مشته للغذاء البتة بل كارها له وهو أوفق شيء له ويبقى عليه مدة طويلة فإذا زال العائق عاد إلى واجبه في طبعه فاشتد جوعه وشهوته للغذاء حتى لا يصبر عنه ويهلك عند فقدانه وقد يحصل سبب الألم العظيم مثل إحراق النار وتبريد الزمهرير إلا أن الحس مئوف فلا يتأذى البدن به حتى تزول الآفة فيحس حينئذ بالألم العظيم . فإذا تقررت هذه الأصول فيجب أن ننصرف إلى الغرض الذي نؤمه فنقول : إن النفس الناطقة كمالها الخاص بها أن تصير عالما عقليا مرتسما فيها صورة الكل والنظام المعقول في الكل والخير الفائض في الكل مبتدئة من مبدأ الكل سالكة إلى الجواهر
الشفاء - الإلهيات — صفحة 425 | أبو علي سينا / ابراهيم مدكور