تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 274

مساهمون:

ص٢٧٤
وفروعه كان هو الناطق بالكتاب والداعي به الواقف على رأس سبيل اللَّه والمقيم عليها ، ولمّا كان سبيل اللَّه وصراطه المستقيم في غاية الوضوح والبيان له وكان مستبينا مالها من الحدود والمقدّمات مستجلبا لمزالّ الأقدام فيها وما ينشأ عليها من الشكوك والشبهات كان بحسب قوّته المدبرة لهذا العالم بعد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله هو الواقف على تلك الأبواب المفتّحة الَّتي هي موارد الهلاك وأبواب جهنّم وجوادّ المضلَّة والسائر لها بحدود اللَّه وبيان نواهيه والتذكير بعظيم وعيده والقائد لأذهان السالكين للصراط عنها ، وذلك حيث يلتفت أذهانهم في ظلمات الجهل فلا تبصر دليلا هناك سواه ويطلبون ماء الحياة بالبحث والفحص من أودية القلوب فلا يجدون بها ماء إلَّا معه ، واستعار لفظ الاحتفار للبحث من مظانّ العلم ولفظ الماء للعلم كما سبق بيان وجه المشابهة . قوله اليوم أنطق لكم العجماء ذات البيان . كنّى بالعجماء ذات البيان على الحال الَّتي يشاهدونها من العبر الواضحة والمثلات الَّتي حلَّت بقوم فسقوا أمر ربّهم وعمّا هو واضح من كمال فضله عليه السّلام بالنسبة إليهم وما ينبغي لهم أن يعتبرون من حال الدين ، ومقتضى أوامر اللَّه الَّتي يحثّهم على اتّباعها ، فإنّ كلّ هذه الأحوال أمور لأنطق لها مقالي فشبّهها لذلك بالعجماء من الحيوان ، واستعار لها لفظها ووصفها بكونها ذات البيان لأنّ لسانها الحال مخبر بمثل مقاله عليه السّلام ناطق بوجوب اتّباعه شاهد لهم ، ودليل على ما ينبغي أن يفعلوه في كلّ باب وذلك هو البيان فكأنّه عليه السّلام أنطق العجماء إذ عبّر هو بلسان مقاله عنها ما كانت تقتضيه ، ويشاهده من نظر إليها بعين بصيرته وهو كقولهم سل الأرض من شقّ أنهارك وأخرج ثمارك فإن لم تجبك لسانا إجابتك اعتبارا ، وكقولهم قال الحائط للوتد ، لم تشقّني قال سل من يدقّني ، وقال بعضهم العجماء صفة لمحذوف تقديره الكلمات العجماء وأراد بها ما ذكر في هذه الخطبة من الرموز وشبّهها بالحيوان إذ لا نطق لها في الحقيقة ومع ذلك يستفيد الناظر فيها أعظم الفوائد فهي ذات بيان عند اعتبارها . قوله غرب رأى امرئ تخلَّف عنّي . إشارة إلى ذمّ من تخلَّف عنه وحكم عليه بالسفه وعدم إصابة الرأي حال تخلَّفه عنه وذلك أنّ المتخلَّف لمّا فكَّر في أيّ الأمور أنفع له إن يكون متابعيه أو المتخلَّفين عنه ثمّ رأى أنّ التخلَّف عنه أوفق له كان ذلك أسوء الآراء