نفارهم واستكبارهم عن طاعته أردف ذلك بهذه الكلمة المستلزمة للدعاء عليهم كيف لم يفقهوا بيانه للوجوه الموجبة لاتّباعه ويقبلوه بعد أن سمعوه ، وهذا كما يقول أحد العلماء لبعض تلاميذه المعاند له المدّعي لمثله فضيلته : إنّك بي اهتديت من الجهل وعلا قدرك في الناس وأنا سبب لشرفك أفتكبّر علىّ وقر سمعك لم لا تفقه قولي وتقبّله ، وقوله كيف يراعي النبأة من أصمّته .
الصيحة استعار لفظ النبأة لدعائه لهم وندائه إلى سبيل الحقّ والصيحة لخطاب اللَّه ورسوله وهي استعارة على سبيل الكناية عن ضعف دعائه بالنسبة إلى قوّة دعاء اللَّه ورسوله لهم ، وتقرير ذلك أنّ الصوت الخفيّ لمّا كان لا يسمع عند الصوت القويّ إذ من شأن الحواس أن لا يدرك الأضعف مع وجود الأقوى المماثل في الكيفيّة لاشتغالها به وكان كلامه عليه السّلام أضعف في جذب الخلق وفي قبولهم له من كلام اللَّه وكلام رسوله وكلامهما مجرى الصوت القويّ في حقّهم ، وكلامه مجرى الصوت الخفيّ بالنسبة إليه ، وإسناد الإصمام إلى الصيحة من ترشيح الاستعارة وكنّى به عن بلوغ تكرار كلام اللَّه على أسماعهم إلى حدّ أنّها محلَّة وملَّت سماعه بحيث لا تسمع بعد ما هو في معناه خصوصا ما هو أضعف كما لا يسمع الصوت الخفيّ من أصمّته الصيحة ، وقد وردت هذه الكلمة مورد الاعتذار لنفسه في عدم فائدة وعظه لهم ، والاعتذار لهم في ذلك أيضا على سبيل التهكَّم والذّم ، وجه نظامها مع ما قبلها أنّه لمّا كان تقدير الكلمة الأولى وقرت أسماعكم كيف لا تقبلون قولي التفت عنه وقال كيف يسمع قولي من لم يسمع كلام اللَّه ورسوله على كثرة تكراره على أسماعهم وقوّة اعتقادهم وجوب قبوله ، وكيف يؤاخذون بسماعه وقد أصمّهم نداء اللَّه . قوله ربط جنان لم يفارقه الخفقان الخفقان دعاء للقلوب الخائفة الوجلة الَّتي لا تزال تخفق من خشية اللَّه والإشفاق من عذابه بالثبات والسكينة والاطمينان ، والتقيّة ربط جنان نفسه ، ومن روى بضمّ الراء على ما لم يسمّ فاعله فالتقدير رابط اللَّه جنانا كذلك ، وهو جذب لهم إلى درجة الخائفين وتنبيه على ملاحظة نواهي اللَّه فيفيئوا على طاعته ، ووجه اتّصاله بما قبله أنّ ذكر الشريف وصاحب الفضيلة في معرض التوبيخ لمن يراد منه أن يسلك مسلكه ويكون بصفاته من أعظم الجواذب له إلى التشبّه به ، ومن أحسن الاستدراجات له فكأنّه قال وكيف يلتفت إلى
شرح نهج البلاغة — صفحة 272
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٢٧٢