واعلم أنّ هذه الخطبة من أفصح كلامه عليه السّلام وهي مع اشتمالها على كثرة المقاصد الواعظة المحرّكة للنفس في غاية وجازة اللفظ ، ثمّ من عجيب فصاحتها وبلاغتها أنّ كلّ كلمة منها تصلح لأن تفيد على سبيل الاستقلال وهي على ما نذكره من حسن النظم وتركيب بعضها مع بعض . قوله بنا اهتديتم في الظلماء الضمير المجرور راجع إلى آل الرسول صلى اللَّه عليه وآله والخطاب لحاضري الوقت من قريش المخالفين له مع طلحة والزبير وإن صدق في حقّ غيرهم ، والمراد أنّا سبب هدايتكم بأنوار الدين وما أنزل اللَّه من الكتاب والحكمة هدى للناس وبيّنات من الهدى والفرقان حيث كنتم في ظلمات الجهل وتلك الهداية هي الدعوة إلى اللَّه وتعليم الخلق كيفيّة السلوك إلى حضرة قدسه . وقوله تسنمّتم العلياء . أي بتلك الهداية وشرف الإسلام علا قدركم وشرّف ذكركم ، ولمّا استعار وصف السنام للعلياء ملاحظة لشبهها بالناقة رشّح تلك الاستعارة بذكر التسنّم وهي ركوب السنام وكنّى به عن علوّهم .
قوله وبنا انفجرتم عن السرار . استعار لفظ السرار لما كانوا فيه من ليل الجهل في الجاهلية وخمول الذكر ، ولفظ الانفجار عنه لخروجهم من ذلك إلى نور الإسلام واشتهارهم في الناس وذلك لتشبيهم بالفجر الطالع من ظلمة السرار في الضياء والاشتهار ، قوله وقر سمع لم يفقه الواعية كالتفات إلى الدعاء بالوقر على سمع لا يفقه صاحبه بواسطته علما ولا يستفيد من السماع به مقاصد الكتب الإلهيّة وكلام الأنبياء عليهم السّلام والدعاة إلى اللَّه ، وحقّ لذلك السمع أن يكون أصمّ إذ كانت الفائدة منه المقصودة إلى الحكمة الإلهيّة اكتساب النفس من جهته ما يكون سببا لكمالها وقوّتها على الوصول إلى جناب اللَّه وساحل عزّته ، فإذا كانت النفس معرضة عمّا يحصل من جهته من الفائدة وربّما كانت مع ذلك متلقّية منه ما يؤدّيه من الشرور الجاذبة لها إلى الجهة السافلة فحقيق به أن يكون موقورا ، ومن روى وقر على ما لم يسمّ فاعله فالمراد وقره اللَّه وهو كلام على سبيل التمثيل أورده في معرض التوبيخ لهم والتبكيت بالإعراض عن أوامر اللَّه وطاعته ، وكنّى بالواعية عن نفسه إذ صاح فيهم بالموعظة الحسنة والحثّ على الألفة وأن لا يشقوا عصى الإسلام فلم يقلبوا ، ووجه نظام هذه الكلمة مع ما قبلها أنّه لمّا أشار أوّلا إلى وجه شرفه عليهم وأنّه ممّن اكتسب عنه الشرف والفضيلة وكان ذلك في مقابلة
شرح نهج البلاغة — صفحة 271
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٢٧١