تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
قولي من لا يلتفت إلى كلام اللَّه لله درّ الخائفين من اللَّه المراعين لأوامره الوجلين من وعيده ما ضرّكم لو تشبّهتم فرجعتم إلى الحقّ وقمتم به قيام رجل واحد . قوله ما زلت أنتظر بكم عواقب الغدر وأتوسّمكم بحلية المغترّين . إشارة إلى أنّه عليه السّلام كان يعلم عاقبة أمرهم إمّا باطَّلاع الرسول صلى اللَّه عليه وآله على أنّهم بعد بيعتهم له يغدرون به ، أو لأنّه كان يلوح له من حركاتهم وأحوالهم بحسب فراسته الصائبة فيهم كما أشار إليه بقوله وأتوسّمكم بحلية المغترّين ، وذلك لأنّه فهم أنّهم من أهل الغرّة وقبول الباطل عن أدنى شبهة بما لاح له من صفاتهم الدالَّة على ذلك ، وكان علمه بذلك منهم مستلزما لعلمه بغدرهم بعهده ونقضهم لبيعته فكان ينتظر ذلك منهم . قوله سترني عنكم جلباب الدين . وارد مورد الوعيد للقوم في قتالهم ومخالفتهم لأمره والمعنى أنّ الدين حال بيني وبينكم وسترني عن أعين بصائركم أن تعرفوني بما أقوي عليه من العنف بكم والغلظة عليكم وسائر وجوه تقويمكم وردعكم عن الباطل وراء ما وفّقني عليه الدين من الرفق والشفقّة وشهب ذيل العفو عن الجرائم فكان الدين غطاء حال بينهم وبين معرفته فاستعار له لفظ الجلباب ، وروى ستركم عنّي أي عصم الإسلام منّي دمائكم واتّباع مدبركم وأن أجهز على جريحكم وغير ذلك ممّا يفعل من الأحكام في حقّ الكفّار وقوله وبصّرنيكم صدق النيّة أراد بصدق النيّة إخلاصه للَّه تعالى وصفاء مرآة نفسه وأنّه بحسب ذلك أفيض على بصر بصيرته نور معرفة أحوالهم وما تؤول إليه عاقبة أمرهم كما قال النبيّ صلى اللَّه عليه وآله : المؤمن ينظر بنور اللَّه ، وقوله أقمت لكم على سنن الحقّ في جوادّ المضلَّة تنبيه لهم على وجوب اقتفاء أثره والرجوع إلى لزوم أشعّة أنواره في سلوك سبيل اللَّه وإعلام لهم على سواء السبيل الحقّ وفي الطريق الَّتي هي مزالّ الأقدام ليردّهم عنها ، ولنبيّن ذلك في المثل المشهور عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله روى أنّه قال : ضرب اللَّه مثلا صراطا مستقيما وعلى جنبتي الصراط سور فيه أبواب مفتّحة وعلى تلك الأبواب ستور مرخاة وعلى رأس الصراط داع يقول : ادخلوا الصراط ولا تعرجوا ، قال : فالصراط هو الإسلام والستور حدود اللَّه والأبواب المفتّحة محارم اللَّه وذلك الداعي هو القرآن . فنقول : لمّا كان عليّ عليه السّلام هو الواقف على أسرار الكتاب والمليّ بجوامع علمه وحكمته والمطَّلع على أصول الدين