الْحَبِّ والنَّوى » وإنّما خصّ الحبّة والنسمة بالتعظيم بالنسبة إلى اللَّه تعالى لما يشتملان عليه من لطف الخلقة وصغر الحجم من أسرار الحكمة وبدائع الصنع الدالَّة على وجود الصانع الحكيم ، أمّا فالق الحبّ ففيه قولان : أحدهما قال ابن عبّاس والضحاك : فالق الحبّ أي خالقه فعلى هذا يكون معنى قوله عليه السّلام فلق الحبّة كقوله فطر الخلائق بقدرته ، الثاني وهو الَّذي عليه جمهور المفسّرين أنّ فلق الحبّة هو الشقّ الَّذي في وسطها ، وتقرير هذا القول أنّ الحبّة من الحنطة مثلا لمّا كانت من غايتها أن تكون شجرة مثمرة تنتفع بها الحيوان جعل اللَّه سبحانه في وسطها ذلك الشقّ حتّى إذا وقعت في الأرض الرطبة ثمّ مرّت بها مدّة من الزمان جعل سبحانه الطرف الأعلى من ذلك الشقّ مبدء لخروج الشجرة الصاعدة إلى الهواء والطرف الأسفل مبدء للعروق الهابطة إلى الأرض الَّتي منها مادّة تلك الشجرة ، وفي ذلك بدائع من الحكمة شاهدة بوجود المدبّر الحكيم : أحدها أن تكون طبيعة تلك الحبّة إن كانت تقتضى الهوى في عمق الأرض فكيف تولَّدت منها الشجرة الصاعدة في الهواء وعلى العكس ، فلمّا تولَّد منها أمران متضادّان علمنا أنّ ذلك ليس لمجرّد الطبيعة بل بمقتضى الحكمة الإلهيّة ، وثانيها أنّا نشاهد أطراف تلك العروق في غاية الدقّة واللطافة بحيث لو دلكها الإنسان بأدنى قوّة دلكا لصارت كالماء ثمّ إنّها مع غاية تلك اللطافة تقوى على خرق الأرض الصلبة وتنفذ في مسام الأحجار فحصول هذه القوّة الشديدة لهذه الأجرام اللطيفة الضعيفة لا بدّ وأن يكون بتقدير العزيز الحكيم ، وثالثها أنّك قد تجد الطبائع الأربع حاصلة في الفاكهة الواحدة كالأترج فإنّ قشره حارّ يابس ، ولحمه بارد رطب ، وحماضه بارد يابس ، وبرزه حار يابس .
فتولَّد هذه الطبائع المتضادّة من الحبّة الواحدة لابدّ وأن يكون بتقدير الفاعل الحكيم ، ورابعها أنّك إذا نظرت إلى ورقة من أوراق الشجرة المبدعة عن الحبّة وجدت في وسطه خطَّا مستقيما كالنخاع بالنسبة إلى بدن الإنسان ثمّ لا يزال ينفصل عنه شعب وعن الشعب شعب أخرى إلى أن يستدقّ ، ويخرج تلك الخطوط عن إدراك البصر ، والحكمة الإلهيّة إنّما اقتضت ذلك لتقوى القوّة الجاذبة المركوزه في جرم تلك الورقة على جذب الأجزاء اللطيفة الأرضيّة في تلك المجاري الضيّقة ، وإذا وقفت على عناية اللَّه سبحانه في تكوّن تلك الورقة الواحدة الواقعة علمت أنّ عنايته في جمله الشجرة
شرح نهج البلاغة — صفحة 267
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٢٦٧